حدثنا عيسى بن هشام قال

في العراق، لا يوجد ما يوحي بكونك على قيد الحياة. ما من شيء إلا أصابه الجمود أو الممات، منذ أوائل التسعينات. أغلقت المصانع وعلا مكائنها الصدأ وقُطعت الأشجار. وتعطّلت المدارس وتوقفت العقول وماتت الأفكار. وتصدّعت السدود وانهارت الجسور وجفّت الأنهار. والتهمت الفوضى الدوائر والبنوك وأغرقنا الوبال. وكأن (ميدوسا) ذات الحُسن وشعر الحيّات، ملأت ناظريها من…

بيوتٌ أذن الله أن ترفع، فماذا ننتظر؟

لما ابتليت القيروان، حاضرة شمال إفريقا بالقلاقل في عهد الأغالبة، اضطر الكثيرون من سكانها من عرب الفتوحات الأولى إلى الهجرة تجاه المغرب الأقصى، فوجدوا في فاس منزلاً لهم ومستقراً، وكان منهم رجلٌ ذا مالٍ عريض وتجارة واسعة يدعى محمد الفهري، له من الأولاد ابنتان أحسن تربيتهما واجتهد في تعليمهما، حين لم توجد حلقات درسٍ للإناث….

كيف توظّف النوم والاسترخاء لتحقيق أهدافك؟

في طريق فؤاد إلى النوم وهو يفكّر فيما دار بين المخيّلة والذاكرة، تساءل عقله الواعي وهو يقوم بتسليم دفّة القيادة الى صنوه دون الواعي: – أليس من الحماقة أن أُرافق فؤاد في نشاطه وأشرف على أجهزة الحسّ والحركة لديه، ثم يأتي من ينسب إبداعه إليك؟ – لا يوجد من ينكر فضلك أو يبخس قدرك، لكن…

أتُدرك أهمّية مخيلتك؟

– أسمعتِ بالحديث الذي دار في دهاليزك؟ قالت المخيّلة تسأل الذاكرة. – لقد سجّلت ما دار كلمةً كلمة. أكنتِ تخشين من أي يفوتني شيءٌ؟! أجابت الذاكرة بثقة. – فهل علمتِ بما لي من فضل عليك؟ سألتها ثانيةً بخيلاء. – إنما فضلك على صاحبنا فؤاد. لأن الذاكرة لا يفوتها تسجيل شيءٍ، غير أن المخيّلة تساعد العقل…

وقعت على صيدٍ ثمين، فأحببت مشاركتكم فيه

لطالما خامرني حبّ العودة إلى مقاعد الدراسة. إما لتحصيل دراساتٍ عليا في تخصصي القديم الذي لم أعد أجد هوىً قويّاً له، وإما للتبحّر في تخصّصي الحالي رغم أن عمري المهني آخذ في الأفول. وقد يخطر في بالي أحياناً دراسة الفلسفلة أو علوم الاجتماع التي أصبحت تستهويني لعلّي أفيد منها وأُفيد. وزاد من حيرتي وعجزي في…

محاورةٌ في دهاليز الذاكرة الطويلة

حاول فؤاد تذكّر القصيدة في طريق عودته إلى البيت، لكن دون جدوى. وفي خزانةٍ تائهة من أرشيف الذاكرة، رقدت أبياتها بعد أن انسلّت بصعوبة، وضاع طريق الوصول إليها. فيما دخلت العبارات الأهم في محادثة فؤاد مع حميد أرشيف الذاكرة من بابه الواسع، بعد أن استرجع فؤاد ما قيل خلالها خاصة. بينما اصطدمت القصيدة بِطُرقٍ عصبية…

رحلة إلى أخاديد الذاكرة

قلّب بصره بين الأشجار والأزهار والأطيار وهو يمارس الرياضة بمحاذاة جدولٍ قريب من منزله، غير أنّ صُورها سرعان ما تزول من ذاكرته الآنية، لأنّه كان مشغولاً بحفظ أبيات شعرٍ يردّدها وهو يمشي. حتى وقع نظره على امرأةٍ جذابة تمشي في الاتجاه المعاكس. حيّاها مبتسماً، فبادلته التحية بابتسامةٍ آسرة خفق لها قلبه، في اللحظة ذاتها التي…

بلسميات – ٤

سمّر عينيه في وجهه البريء وهو يصعد به السلّم إلى مسكن جدّته، لعلّه يُشبع ناظريه منه. عاجلته الجدّة لتودّعه ولتلتقط الصغير منه من دون أن يستمهلها، فما عسى تلك اللحظات أن تمنحه؟ أخذت الرضيع منه وكأنها انتزعت قلبه. أخذته منه وهو مازال يحاول أن يروي ظمأه من النظر إلى صغيره. خطر في باله للحظةٍ أنه…

بلمسيات – ٣

يأبى أن يجلس وحيداً لأكثر من دقيقة، وترهقنا مطالبته لنا بالاهتمام المتواصل به وحمله واللعب معه. لكنّا إذا نام تشوّقنا إليه، وانتظرنا لحظة استيقاظه بفارغ الصبر لنأنس به ونلهو معه. فما إن نسمع هديله حين يصحو، حتى نهبّ إليه لنلتقط جسده الغض من الفراش ونحتضنه، فهو بهجة البيت وسيّده، وهو الآمر الناهي فيه. تجذب انتباهنا…

دواعش، وإن لم ينتموا لداعش

لي جارٌ جديد لا تفوته صلاةٌ في المسجد. وقف نفسه للعبادة، وأخذ من الآية الكريمة: ”ما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون“ خصوص اللفظ ولم يأخذ عموم المعنى وهو الطاعة. بعيد نزوله في المبنى انقطع مصباح مدخل البناء المؤدي إلى درجٍ طويل مظلم. وقد بُرمج أصلاً ليضيء نصف دقيقةٍ لدى استعماله من قبل أحد الداخلين إلى…