على حين غرّة

ماإن تناول العشاء، حتى اتجه إلى حاسوبه ليكمل ما عجز عن إتمامه خلال النهار. إذ كان يومه مزدحماً، وقد اعتاد على ترك المهام السهلة إلى الليل إن لم يسعفه وقت العمل لإتمامها. ومع أن التبرّم من انشغاله عنها كان ديدنها، حال ما تعانيه هذا اليوم من صداعٍ وتعب بينها وبين مجادلته. أمضت وقتاً لا بأس به في لملمة الأطباق وغسل الأواني وتنظيف المطبخ، قبل أن تنسحب إلى غرفتها، قائلةً له: أنا منهكة وأحتاج بعض الراحة، نبّهني إذا حانت صلاة المغرب.

مضت وهي غير متأكدةٍ إن كان سمعها، لأنه لم يزِد عن الإيماء برأسه وعيناه مصوّبتان نحو شاشة الحاسوب. حطّت رأسها الثقيل على المخدّة وأغمضت عينيها واستسلمت لنومٍ عميق، قبل أن يخال لها سماع صوته ”غادة .. غادة“.

تضايقت من ندائه أول الأمر وقاومت النهوض العسير، غير أن حرصها على تلبية حاجاته قضّ مضجعها. نهضت بصعوبةٍ بالغة ونظرت إلى النافذة فإذا السماء أظلمت. ”ياه.. نمتُ طويلاً من شدة الاعياء“ قالتها في نفسها وأسرعت الخطا نحو الصالة حيث يجلس، فليس من شيمها تركه وحيداً. لتجده ما زال منشغلاً.

”لا شكّ أنك سعيدٌ لأني غبت عنك هذه المدة“ قالتها وهو لا يسمعها، أو لعله لم يبدِ ردّة فعلٍ لشدة انغماسه في عمله. ”أحتاج إلى تغيير الهواء“. لم ينبس ببنت شفة. ”قم بنا نخرج قليلاً فأنا متضايقة“ ألحّت عليه بالسؤال، فلم يزده ذلك إلا ذهولاً بما بين يديه. فاغتاضت من جفائه وبرودة استقباله لها. ”ألا تسمعني؟“ صرخت بقوة، وهو غارقٌ في عالمٍ آخر.

اقتربت لتنظر في شاشته لترى فيمَ هو، فرأته منغمساً في جداول وأرقامٍ وصور كان مأخذواً كلياً بها، لابدّ أنها كانت بالغة الأهمية إليه. فأقلعت عنه وهي حانقة.

راحت تتوضأ فلم يعجبها حال المغسلة، بدأت بمسحها فإذا بها تُستدرج إلى تنظيف الحمام بأكمله. أمضت فيه وقتاً مديداً وهو غافل عنها كعادته. خرجت أخيراً وهي تنظر حولها، تبحث عن خللٍ تصادفه هنا أو هناك كي تصحّحه، وكي تعيد كل شيءٍ إلى محلّه وترتّب البيت، كعادتها تسعى كالنحلة من غير توقّف أو تلكّؤ. غير أنها أحسّت بوجود سببٍ أقوى يدعوها هذه المرة لترك بيتها في أحسن هيئة. لقد دبّت فيها الحركة والنشاط المعتادين بخفّة غير طبيعية، كادت تنسيها ألمها من غفلته عنها، أو بالأحرى تناسته كعادتها بانغماسها في العمل.

ثم ذكرته بعد ساعةٍ ما شعرت بمرورها من شدة انهماكها، فخطر لها أنه ربما كرِه انبعاثها بتلك الهيئة بعد النوم. فأصلحت شعرها بسرعةٍ خاطفة كعادتها، وتزيّنت بأحمر الشفاه. ونظرت إلى نفسها في المرآة، فإذا بها ترى الستارة غير ناصعة، فاستدارت إليها تحاول نزع كلاليب التعليق منها، منتهزةً حلول وقت تشغيل غسالة الثياب. قبل أن تتجه نحو المطبخ لاعداد الشاي مع طبقٍ من الحلوى أو الفواكه المجففة، ليستمتع بأمسيته وهو يقرأ.

وفيما هي منصرفةٌ إلى ذلك كلّه، انتبه بغتةً لمرور الوقت سريعاً عليه، نهض إلى مخدعها ينادي ”غادة .. غادة“ وهي لا تجيب. أتاها وهو لايصدّق أنها أمضت في النوم ساعتين، أزاح غطاءها فلم تجفل ولم تستنكر، بل ظلت مكانها جامدة. لمس جسمها فإذا هو بارد. سرت فيه قشعريرةٌ رهيبة، تيبّست قدماه حتى لم يعدْ يطيق الوقوف، جثى مذعوراً وهو يهزّها متوسّلاً أن تنهض، ولكن لا حياة لمن تنادي.

سمعت نداءه، فسَعت إليه مقبلةً لتجده يصرخ وبولول فوق جسدٍ بدا مألوفاً لها، ”أنا هنا، ما بك؟“ أجابته وهو يبكي بحرقة. تصنّعت ضمّه إليها كي تهدئ روعه وهو لا يعبأ بها، ذاهلاً عنها كعادته حين كانت عنده!

أحسنوا صحبة أهليكم، من قبل أن يضيعوا منكم على حين غرّة، ثم لا تعثروا عليهم.
هناك أرصدة حبّ نحتاج أن نضيف إليها كلّ يوم، وهي ثروتنا الحقيقية في الحياة.