أزهدٌ هذا أم نفاق؟

كثيرةٌ أشكاله غريبةٌ أفكارة، أشعثٌ شعره رثةٌ ثيابه، يزيّن وسطاه خاتمٌ فضيٌ يلمع فيه العقيق أو الفيروز بما علق عليهما من الدهن، مما تناول بيديه من مائدةٍ تكفي عشرةً معه. يدعو كل ساعةٍ على الكفار وبيده ساعةٌ نفيسةٌ وتحته سيارةٌ باهضةٌ من صنع اُولئك الأشرار. زوجته تلتحف السواد ويغطيها نقابٌ يستر مفاتنها، ويخفي الذهب والمجوهرات في جيدها. تقرئك قصائداً في عفّتها وزّهدها، ومعرضٌ لنفيس الماركات يسكنُ خزانتها. جمالها وجسدها ملك يمينه وعن يساره ما أفاض الله من واسع خيره وعظيم كرمه على “صالح” أوليائه!

916w.jpg
أقرأ في هذا الصدد: نقد الخطاب الديني


قد تسخر من أمثاله، وتدّعي الإيثار والبعد عن الأنانية، ثم لا ترى ضيراً من إنفاق مئتي دولار لوجبة عشاء مع صديقٍ عزيز، وغالبا ما يكون الـ”عزيز” غنياً أو ميسور الحال، للمصادفة! أو أربعمئة ثمن فستان لزوجتك أو مئةٍ لتسريحة شعرها، أو ألفٍ ثمن جوّالٍ لولدك وثلاثمئة لحفلة عيد ميلاده. ثم تفكر ملياً في عشر دولارات من أجل صاحب حاجة، وتتسائل في نفسك: كيف سأعرف إن كان محتاجاً أو محتالا؟ أليس هذا ما يحصل بالفعل مع أكثرنا؟

قد يبدو الطموح وحبّ الذات من علامات أهل الدنيا والزهد والإيثار من علامات أهل الله. ولكن مهلاً:

هل يستطيع الزاهد في الدنيا الراغب عنها، تحقيق الأهداف والطموحات التي تخصّ غيره فضلا عن تلك التي تخصّه؟ هل يستطيع مثلاً إلغاء العبودية وتحقيق المساواة ما لم يكن ذا هيبةٍ وذا نفوذ فيأمر ويطاع؟ وهل يستطيع القضاء على البطالة ومحاربة الفقر ما لم يكن ذا باعٍ في السوق وذا مالٍ فيخطط المشاريع وينفّذها؟ وهل يستطيع محاربة الجهل والعادات ما لم يكن ذاحكمةٍ وذا شرفٍ فيدعو الناس ويستجيبون له؟

والأمثلة لا تعدّ ولا تُحصى لمن تواروا بالنّسك من أجل الضعفاء، ثم ما إن بلغوا من الدنيا مآربهم حيلةً بمواراة أطماعهم بعباءة الدين نفاقاً، حتى صاروا أكثر الناس انغماساً في ملذاتها وبعداً عن مسؤولياتهم. تتساقط أوراق التوت التي تستر عيوب “الزاهد” مع كل حَيفٍ يصيب ًمخلوقاً لم يرَ فيه عن “غير الزاهد” فارقاً.

889q.jpg

اقرأ في هذا الصدد: نقد الخطاب الديني


ليس الزهد في العزوف عن الدنيا، لأن العزوف يورث الكسل والكسل يورث الفقر والفقر يورث البخل. الأصح أن نسمّيه عجزاً وجهلاً ولا يصحّ أن نسميّه زهدا، كما لا يصحّ أن نسمّي إعراض الضعيف عن رد العدوانِ حلما. إنما الزهد لمن أدبر عن مفاتنها وقد أقبلت عليه، وخضعت له شهواتها ولم يخضع لها، ولمن شارك الناس بنعيمها وليس لمن عجز عن نيل شيءٍ منها.

وفي مقابل ذلك نجد حبّ الذات يورث الطموح، والطموح يورث السعي، والسعي يورث النجاح، والنجاح يورث الجاه، والجاه يورث العطاء. ومن جمع بين الجاه وبين التواضع والعمل من أجل الآخرين فهو الزاهد الحق.

لا بدّ من الأمل والتخطيط مع السعي الحثيث وراء تحقيق أهدافك ما لم يصاحب ذلك إهمالاً لواجباتك.
فاسعوا في الأرض عباد الله تزهدوا. وأسعد الله صباحكم بالخير.

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s