تعالوا أحدثكم عن حبّه

تجاوز الثمانين بعقد إن لم يكن شارف على المائة. واهن العظم شاحب الوجه أبيض الشعر وقليله. مقوّس الظهر ضئيل الجسم بطيء الحركة. خرج في وقتٍ خلا فيه السوق تقريباً من المارة. يسحب عربة تسوّق منزلية تمشي على عجلاتٍ أربع، لا يستخدمها اليوم لجمع المشتريات، بل، خمّن؟
بل كان يجمع النفايات من رصيف السوق. غار على مدينته، أوكفيل Oakville، فهان عليه اعوجاج ظهره وما هان عليه أن يرى في مدينته الحلوة ما يعيبها.

مازال في العمر بقية ومازال بوسعه أن يبدع. ربما كان من قبل مهندساً أو معلّماً أو وقوراً، لا شيء يعيبه حين يقوم بما يمنحه الشعور بقدرته على العطاء. مازال في العمر بقية. ومازال بوسعه أن يكسب حبّ الناس بدل أن يجلس في مأواه يستدرج عطفهم، فانطلق ليقوم بما يخدمهم وليثبت أنه سيّدهم. مازال في العمر بقية ومازال في جسمه قوة. ف


خرج يعلم جيرانه كيف يحبون مدينتهم ويتفانوا في خدمة أهلها.

اقرأ في هذا الصدد: كُن بَلسماً

997j.jpg
Desmond Tutu – إذا اجتمعت الأعمال المفيدة ، مهما كانت صغيرة، غيّرت العالم

اعتدت النظر إلى الموجودات كلها، بما فيها لنباتات خاصة، على أنها كائنات مثلنا، تحزن لإهمالي وتفرح لاهتمامي. حين أخرج أيام العطل إلى مكان أستمتع بوجودي فيه أو حين اتنزّه في حديقة، لا أرى من واجبي أن أترك المكان كما وجدته، ذلك ديدن الممسك العاجز، بل أسعى لتركه أنظف بقليل مما كان. فإن كان هناك أذىً في الطريق أو حجراً أزيحه وإن كانت بعض المهملات من حولي أجمعها. المكان أعطاني الأمن والسرور، ما أحراني أن أعطيه بعض الاهتمام.

يتشدّق التعليم والإعلام الموجه في بلادنا بالحديث الشريف: النظافة في الإيمان. ومع أن الإيمان لا يتجلّى في الصور والأشكال، بل في القلوب والأعمال، فقد دأب بعض “المؤمنين” على الذهاب إلى المساجد شُعث الشعر، غبر الأقدام، رُثّ الثياب. وكأني بهم يتظاهرون في بالزهد والعزوف عن المظاهر، أو كأنهم جاؤوا عبر القرون من قلب الصحراء، في زمن بات الماء فيه ووسائل الراحة متوفرةً للجميع!


اقرأ في هذا الصدد: منارة الحدباء … والشجرة الملعونة

959r.jpg
Victor Hugo – تبدأ الحرّية حين ينتهي الجهل

لفتت انتباهي بالأمس مقولةٌ للمستشرق الانكليزي روبرت فيسك، أن العرب يهتمون بنظافة بيوتهم أكثر بكثير من اهتمامهم بنظافة شوارعهم، لإحساسهم أن بيوتهم لهم بينما أوطانهم لغيرهم!

المقولة تنطوي على مصداقية عالية وبدت لي في الغرب جليّة. هنا لا يهتم الناس ببيوتهم اهتمامنا ببيوتنا، لكنّهم لا يهملون أحياءهم اهمالنا لأحيائنا. رغم أن أحدهم يربطه ببيته عقد تملك أو عقد كراء، فإنه يربطه بمدينته ومجتمعه عقد انتماء وحبّ ومسؤولية.

وفي مدارسنا يتعلم التلاميذ حبّ الوطن ويرغمونهم على الوقوف صباحاً لتحية العلم. وتوضع صور القائد في جميع الصفوف حتى يتشرب الصغار حبّه منذ نعومة أظفارهم. كما وتوضع صوره في جميع غرف الدوائر والشوارع والساحات حتى يذوب الناس كلّهم في حبه.
وتدرّس في مدارسنا المناهج الوطنية والقومية والحزبية بدل مناهج علم النفس وعلم الإجتماع. ويتحيز الطفل لمذهبه من خلال مادة التربية الدينية من قبل أن يتعلم الإنفتاح على أبناء بلده جميعاً فيما لو درس تاريخ الأديان.

ثم ما أن تنزل واقعةٌ بالبلاد حتى تكتشف أن الناس أبعد ما يكونون في الحقيقة عن حبّ أوطانهم. كانوا يتظاهرون بذلك خوفاً من رادع السلطة فقط، وبمجرّد أن يضمحل الرادع أو يضعف حتى يكشّر الناس عن أنيابهم ويصير الوطن الذي يوحدهم سبب بلائهم، وأهله ممن لا يشاطرونهم انتماءاتهم الفئوية ألدّ أعدائهم. فتقوم الحروب ولا تنتهي، وتسيح الدماء أنهاراً فيما تجفّ أنهار بلدي.

فيا بلدي المسكين هل لك من محب!؟


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

2 Comments اضافة لك

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s