قصة ضفتي النهر

“لا أُؤمن بالحدود بين الشعوب العربية. سنقتحمها ونوحد العرب”. قالها مخاطباً جماهير غرب النهر يوم تسلّم السلطة فيها بانقلاب. وأردف: “من لا يحبني فهو لا يحب غرب النهر، ومن لا يحب غرب النهر فلا يحق له العيش فيه. الموت للخونة. الموت للأعداء”. فقاطعته الجماهير بالتصفيق والهتافات والأهازيج. وتابع:

“سنبني جيشاً عرمرماً يؤمن بمبادئ حزبنا العظيم. مهمته تحرير فلسطين. سنرمي الصهاينة في البحر ونجعل العالم يرتعش خوفاً. لكن عندي مشكلة واحدة وهي شرق النهر. هؤلاء ليسوا مسلمين بل مجوس. هم خنجر في خاصرة الأمة. وتحرير فلسطين لا يأتي قبل استئصالهم”. فقاطعته الحشود بالتصفيق والهتاف وكلّ منهم يخشى الذي بجانبه إن لم يأخذه الحماس.

“وإذا أردنا مواجهة مجوس الشرق فعلينا أن نبدأ بمجوس الداخل. أموالهم وأملاكهم مُصادرة وسنرميهم على الحدود كالكلاب الضالة ولن نسمح لهم بدخول أرضنا الطاهرة. من الغد سيعبر جيشنا الباسل النهر شرقاً ليدحر المجوس. الله أكبر والنصر لنا وليخسأ الخاسئون”. فضجت الحشود بالتصفيق والهتاف بصخب منقطع النظير: “لبيك يا قائد”.


اقرأ في هذا الصدد: منارة الحدباء … والشجرة الملعونة

877r.jpg
علي الوردي – العبقري ينتمي إلى البشرية جمعاء، ويخاطب الإنسانية كلّها بلغة الحب

“الطواغيت وأذناب الشيطان يريدون أن ينهبوا ثرواتنا. ولن نسمح لهم بتمرير مخططاتهم الخبيثة”. قالها مخاطباً جماهير شرق النهر يوم
“أنا كبير العمائم وسليل أهل البيت. من لا يريد ما جئتكم به فليرحل عن شرق النهر”. فهتفت الجماهير: “الله أكبر. قائدنا عنبر. الموت لأمريكا. الموت لإسرائيل”. فأردف:

“سفارة إسرائيل أصبحت سفارة لفلسطين. نحتاج تهيئة الأرض لقدوم المهدي المنتظر. سنجهز جيشاً من عشرين مليون لتحرير الأقصى من اليهود وسنرميهم في البحر. لكن عندي مشكلة واحدة. غرب النهر يروع أهلنا وينتهك مقدساتنا وحان وقت إنقاذها من ويلات الظلم”. فقاطعته الحشود تحييه مجدداً ولكن بصوت أعلى وزخم أقوى. فتابع:

“الأعراب خانوا نبينا وغدروا بأهل بيته وقتلوا الحسين. مأساةٌ عظيمة نحتاج أن نقف عندها طويلاً ونذكّر العالم بها مليّاً. حتى يعترف العالم بها جريمةً في حقّ الإنسانية فيلاحق المتسببين. وأولهم حكام غرب النهر. فلنقاتلهم لنقطع دابر الفساد”. فهبت الحشود بصوت كالرعد يزلزل الأرض ويصمّ الآذان: “لبيك يا إمام”.


اقرأ في هذا الصدد: موسم الحج إلى ترامب

891r
الحكيم يصنع قراراته، والضعيف يهتدي برأي الجمهور – Alexander Pope

وبعد، ما أسهل السيطرة على زمام الجماهير وشحن عواطفها حين تحدثهم بما يحلو لهم. تماماً كما تفعل الفضائيات لتجذبنا إليها، وكما يفعل الباعة لتسويق بضاعتهم. اللعب على أوتار العواطف مطيّتهم، ومعسول الكلام وسيلتهم.

عرف ترامب كيف يُطرب الناس بصخبه ونشاز كلماته فأقنعهم أن العالم الخبيث يتآمر على أميركا وأنه من سينقذها. كما نجح الأخرقان أعلاه في حشد الملايين وتسببا في حرب ضروس وكلاهما يرفع شعار فلسطين. من يومها ضيع العرب فلسطين وصارت موالاً للبكاء والضحك على الساذجين. وكذلك يفعل المتباكون على الحسين. وكذلك يفعل المتباكون على “دولة الخلافة”. وكلّ يبكي على ليلاه.

ما أردت قوله أن أغلب الأميركان لا يهتمون بشعارات ترامب المحرّضة على المهاجرين، ولا يهتمون لموقفه من المناخ أو الصين، اهتمامهم بوعوده الاقتصادية. انجذبوا له لأنهم رأوا فيه رجل الأعمال القوي الذي سينقذهم من الديون وليس من المسلمين.
وأما نحن فأحاولنا تعيسة، وأهواؤنا طائفية، وعصبيتنا قبلية، وقراراتنا عاطفية. فإن سمعت أحداً يعزف على وترك صديقي، ويداعب عواطفك المذهبية والقبلية بشعاراته ولطيف عباراته، حذار أن تعطه اذنك.

من قبل أن تفكر.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s