قفصٌ اسمه الماضي

الأم والأب في البيت أول ما يضربان الأمثال لأبنائهم، يقولان: كنّا أيام زمان نعمل كذا وكذا. المعلمة حين تشجع تلاميذها، تقول: كان أجدادنا يقومون بكذا وكذا. خطيب الجمعة حين يريد استثارة همم المصلّين، يهتف: كان كرام الصحابة يفعلون كذا وكذا. وحين يروم الزعيم حشد جنوده يخطب: كان منا محاربين عظام وكذا. الشعوب المقهورة تطّلع على صور بلدانها في الماضي وتتحسر عليها. وأهل بعض البلاد العربية مغرمون بإحياء مواسم دينية، لن يجلو إحياؤهم لها عن أئمتهم غمّاً، ولن يجدي لهم نفعاً، بل يقبلون عليها أفواجاً ولو تسببت في تعطيل الحياة تماماً أسابيع متوالية!

على مقاعد الدراسة، كنا نشكك بكل ما وصل إليه العلم، في الفيزياء والرياضيات والأحياء والفلسفة. كنا نعذب معلمينا بكثرة الأسئلة في سائر الدروس باستثناء التاريخ، فهو معصوم لا يحقّ لنا التساؤل في ما ورد فيه ولا التشكيك بصحته. ومازالت الأجيال منّا تتوارث حبّ التاريخ وكأنه لوحٌ محفوظ لا غبار عليه. وخلال المراهقة، كنت أعشق كتب التأريخ واقبل عليها حتى أضعت سنيناً في قراءة كتب لا طائل منها. لم أجد حينها من يقل لي: “لو اعتنى مَن نعتزّ بهم اليوم بماضيهم ما أنجزوا ما يستحقون الثناء عليه.”

نحن قومٌ نعشق القصص ونكره العمل. ننتشي بسماع حكايات التاريخ وأساطير الأئمة أو الصحابة أو الخلفاء. نتباكى عليهم ونكره نقدهم وصارت مآثرهم أولى من أوامر الله بالإتباع. نحبُ الإقامة في أجواء ماضٍ لا نتزحزح عنه. ولو تحركنا لسرنا إلى مضارب المحبوبين في صفحاته، بدل السير إلى أحبتنا المقيمين بيننا. العيش في الماضي يمنحنا الشعور بالراحة وبأننا ننفذ أوامر الله في إحياء ماضي أسلافنا، بدل إحياء الأرض وتلمس المستقبل.

أي مستقبل ترجوه من قوم يعيشون الماضي بكل تداعياته. يتزلّفون له ويعشقون تفاصيله ويتغنون بأهله وآثاره. يتغزلون بأفراحه ويلطمون لأتراحه. تخدّرهم أمجاده وترهقهم نكباته.

968j
الوقت الضائع، لن تعثر عليه

فارق كبير بين مَن ينهضون كلّ صباح يدبّرون. يؤدّون واجباتهم يعمرون بها حياتهم، والمشاريع التي ائتمنها عليهم مستقبل أحفادهم. حتى صارت حياتهم وافرة وديارهم زاهرة. وبين الذين يستفيقون ليبحثوا عن الواجبات المفروضة عليهم إزاء الأقدمين! حتى بدوا وكأن ساعتهم قد توقف من مئات السنين. حتى غدوا سواءً هم ومَن تحت الأرض راقدون.

إن كنت صديقي تنظر بإعجاب لما حققه الغرب من تقدّم، فاعلم أن شغفهم بتطوير مستقبلهم شغلهم عن ماضيهم. وأن تخطيطهم لغدِهم أغناهم عن الخوض في تفاصيل تاريخهم. أدركوا أن الحركة في ظلال الماضي أشبه بالسير للأمام مع النظر في المرآة إلى الوراء.

متى يكفّ المعلم والخطيب عن المبالغة في إطراء عظماء التاريخ؟ فالأحرى أن تكون مواعظهم أقرب للواقع وأجدر بالإقتداء. لن يسألنا الله عما فعل الأولون، غير أنّه سيسألنا عن الطريقة التي نصرف بها أموالنا وأوقاتنا ومؤهلاتنا. فابتغوا التحصيل والاجتهاد والازدهار، واغتنموا الخيرات يا اُولي الأبصار.

لمّ لا نبرمج عقولنا على التفكير في المستقبل. لم لا نمارس التخطيط والعمل بدل أن نضيع أوقاتنا في تداعيات ما حصل اليوم أو البارحة أو في البكاء على ماضٍ ولّى وأطلالٍ اندثرت . متى نتحرر من الإدمان على ماضينا متناسين واقعنا ومستقبلنا. الماضي قفص كبير فإما أن ننجو منه وإما أن نبقى أسرى لياليه.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s