كلماتٍ من نور

تتعامل زوجتي مع الجمادات كلّها على أنها كائناتٍ عاقلة تفرح وتحزن. فإذا نهضت من الأريكة والمخدة ملتوية، سارعت ورائي لتعديلها قائلة: ألا تحسّ يوجعها؟! وحين يتعلق الأمر بالنباتات التي تربيها في البيت، فهي تجزم أنهن مثلي ومثلها. تصبّحُ عليهنّ وتلاطفهنّ وتصلّي على النبي وهي تسقيهنّ وتحزنُ كثيراً لعطشهنّ. وحين أبتسم من فعلها، تستنكر قائلةً: هي تسبّح الله أكثر منّي ومنك.
قد تتساءل صديقي إن كنّ يبادلنها مشاعر المحبة ذاتها؟ لكن سؤالي يذهب أبعد من ذلك: ما هي طبيعة الوعي الذي تتمتع به هذه النباتات؟

قسم العلماء الذكاء الإنساني إلى ثمانية مستويات متعددة (منطقي وشعوري ولغوي وحركي وسمعي وبصري وبيئي وتطوري). ولا شك أن هناك مستويات أخرى تمتاز بها فصائل حيوانية ونباتية دون غيرها. وقد نشارك فصائل معينة في بعض هذه المستويات، وقد تنفرد بعض الفصائل بمستويات ادراكية لا وجود لها عندنا. الطريقة التي ننظر بها إلى الكائنات حولنا تختلف كليا عن نظرتها لنا. غير أني أحسب أنه كلما زاد الارتقاء العضوي في سلم التطور زادت مستويات الوعي اللازمة للكائن العضوي.

تُرى ما هو موقعنا نحن البشر من الخالق الذي فطر الكائنات وصوّرها ومنحها سمات الوعي الخاصّة بها؟ أفترض شخصياً أن الفارق في مستويات الوعي بيننا وبين خالقنا أكبر منه بيننا وبين وحيدات الخلية.

900r.jpg

اقرأ أيضاً: نقد الخطاب الديني


نحن أمام مشكلة لا تتعلق بمن يعدّون أنفسهم أوصياء على مقاصد الله ورسالاته وتشريعاته وحسب، بل بمن ينكرون عليهم إدعاءاتهم بفهم تلك المقاصد أيضاً. المشكلة تتعلق بالتقليديين والمشككين كليهما.

كل يوم يتحفنا “متنور” بكشفٍ يتلقفه العوام بإعجاب. وكأنّي به يملي على الله تأوّلاته وخواطره الشخصية التي تبدو له منطقيةً تماما!
لكن ما هو المنطق؟ دعونا نعترف بشيء مهم: الشريعة لاتخضع لمنطقي أو منطقك، وإلا لحصلنا على ملايين الشرائع التي لا تتبع غير هوى أصحابها، ولكنها مقصدٌ غيبيّ بحت.

النساء مثلاً، قد لا يفهمن الرجال بسبب تباين مستويات الوعي بينهما – وأرجو ألا يُساء فهمي فأنا لا أزكي أحدهما على الآخر. فإن عجز البشر عن فهم بعضهم بعضاً وهم كائن واحدٌ من فصيلةٍ واحدة، فكيف لنا أن نتوقع الحصول على فهمٍ واحدٍ لمقاصد البارئ العظيم، الذي ينفد البحر قبل أن تنفد كلماته ولو جِيء بمثله مددا!

كتب شكسبير قبل أربعمائة سنة نصوصاً أدبية راقية ورائعة. لا يفهمها بعض الإنكليز هذه الأيام إلا بصعوبة. بينما القرآن نزل بلسانٍ واحدٍ ولهجات متعدّدة لقبائل متباعدة ومتناثرة عاشت واندثرت. يريدونه واضح المعاني سهل المباني يسير القراءة ثم يوافق هواهم! والله يريده كتاب فصاحةٍ وبلاغة وبيان ودلالة ونحو وصرف وجزالة وسجع ومحكم ومتشابه، مع ما فيه من إعجاز علمي ولغوي وعددي يفوق الخيال.

هب أنه كان سهلاً ميسّراً كما يحبّون، هل كنّا سنجد النشوة والخشوع يغمراننا كلما وقعنا على معنىً جديد وكلما لمسنا لمحةً فريدة؟ فكيف ونحن نعيد النظر فيه جيلاً بعد جيل، فيرى كلّ جيلٍ فيه ما خفي عن سلفه.

912r.jpg
التساؤل هو سبب المعارف ، وليس الارتياب

اقرأ أيضاً في هذا الصدد: خواطر رمضانية


القرآن كتاب الله الرّحب الغنيّ الواسع السائغ لمن يتدبّر فيه. وهو كتاب حروفٍ وطلاسم ومواعظ وأقاصيص وأوامر ونواهي لمن يجد التشكيك فيه أسهل من تلمّس معانيه. لن أحزن حين أسمع تساؤلاً أو حتى تشكيكاً من مختص لغويّ عارف باللسان العربي وبلهجات القبائل ومدلولاتها، يحزنني حين يصدر ذلك ممن اُعجمت ألسنتهم وتلاشت لغتهم وماجت لهجاتهم حتى باتوا لا يميزون بين المرفوع والمنصوب وبين المجرور والمجزوم!

المتشكك ليس كالباحث عن الحقيقة. لأن الباحث يطرح سؤالاً بحثاً عن جواب يغني فضوله للمعرفة، ثم يقول “الله أعلم”. ولا يملي على الناس تهيؤاته على أنها مقاصد الله في عباده. “لا يعلم تأويله إلا الله” فهلا تعففنا مقرّين: “آمنا به كلّ من عند ربنا”؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ (المؤمنون ٦٨)
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (المؤمنون ٧١)
صدق الله العظيم


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اقرأ أيضاً: خواطر رمضانية

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s