قصة ناصر – الفضيلة أم المصلحة المشتركة

جمعتني الأقدار بهذه الأسرة المهاجرة من الحيّ الدمشقي الذي كنت اُقيم فيه. فكنت شاهداً على القصة منذ بدايتها، ولولا ذاك ما كنت لأصدّق مجرياتها.

بدأت التقلصلات تصيب أطراف زوجته الشابة بُعيد وصولهما ويناتهما الثلاث إلى كندا. زار معها المختصّين والمشافي لأجل أن يداوي متاعبها المتزايدة لكن دون جدوى. فقد تم تشخيص حالتها بمرض التصلب الجانبي الضموري. وأخذ الشلل يتسلل إلى أطرافها تدريجياً حتى صارت عاجزةً تماماً.

وقف صاحبنا إلى جانب زوجته بكلّ ما لديه من شجاعةٍ وعفّة أكثر من عشرين سنة. ساعدته بناته خلالها، حتى أكملن تعليمهن الجامعي واستأذنّه بالزواج الواحدة تلو الأخرى. فشجّعهن على الاستقرار بعيداً منفصلين، حتى لا تتأثر حياتهن الزوجية بمصاب والدتهن.

997w
القوي من يخضع له الآخرون، ولكن العزيز من تخضع له نفسخ – لاو تزه

خلا البيت إلا منه ومنها، لا يعينها على علّتها أحدٌ سواه، على رغم الضعف الذي بدأ يصيبه بفعل السنين التي قضى شطرها في الشقاء مغترباً بعيداً عن معينٍ يداريه أو أنيسٍ يواسيه. نصحوه بالاستعانة على ظروفه بزوجة اُخرى، لكنه رفض مطلقاً. لست أدري إن كان بمقدوري أن أفعل مثله، غير أني على يقين أن أكثر الرجال عاجزون عن إبداء ربع الشجاعة التي تحلّى بها.

يُقال أن نسبة الطلاق والخيانة في البلاد العربية مرتفعة، ولا تختلف عنها في البلدان الغربية. ولكنها بين العرب المهاجرين أعلى منها بين الغربيين. باع الكثير من العرب الفضيلة هنا في زحمة غربتهم. وأنا أتساءل: لمَ يتحتّم على اُسرِنا أن تختار بين الإنفصال أو ضيم العيش. لماذا لا نكون أكثر واقعية؟ لم لا يكون هناك حلّ ثالث لا تموت الفضيلة معه ولا تفنى السعادة؟ فبعض الفضيلة والسعادة أدومُ.

قد يستنكر البعض قولي. غير أني واثق لو أنهم وقعوا في الامتحان الصعب الذي وقع فيه ناصر، لفشلوا في إعطاء الفضيلة حقّها مؤثرين سعادتهم الشخصية، بمن فيهم النساء. وبرهاني على ذلك سهل: دلّت كيمياء العواطف الإنسانية أن الأم وحدها قد تؤثر سعادة وليدها على نفسها. وأما الزوجة، فأغلب عواطفها نحو زوجها تنبع من المصلحة المتبادلة أو الخوف من المجتمع ولا يكون منبعها الفضيلة خالصةً.

إذاً، نحن أمام قضية جدلية قديمة: هل الفضيلة الخالصة هي سببُ السعادة؟ أو المصلحة المتبادلة؟
دعني أضرب لك مثالاً: تُرى لو عثرت على محفظةٍ ملأى بالنقود وأنت تعاني ديوناً ومتاعب جمّة. هل كنت ستتركها وتمضي مؤثراً الفضلية على حاجتك الماسة لبعض ما فيها، أم ستفكر مليّاً قبل أن تتخذ القرار؟ أرى أن السيناريو الأول لا يمثّل الفضيلة، لأنه سلوك من غلبه الخوف من ربه أن يجور عليه، فأمات نوازع الرغبة في قلبه. بينما الآخِر هو سلوك الحرّ المؤمن بعدالة الله، فصارع نوازعه رغم تكالبها عليه حتى انتصر.

957j
لينشر الفرحة من نالها، لأن السعادة مولود توأم – لورد بايرن

فهب أنك تركتها دون أدنى تفكير، ثم زادت بعد ذلك ديونك وزاد معها حالك بؤساً، حتى تمنيت لو أخذت ورقةً أو ورقتين تقضي بهما أمسّ حاجاتك، أو لو أنك بحثت عن صاحبها حتى تساومه على عُشر أو خُمس ما فيها، لعلّك تؤدي بعض ديونك. أليس بعض الندم كفيلٌ بنقض فرضية الفضيلة لديك؟!

بعيداً عن الخطاب الديني التقليدي، السيناريو الآخر يقسم السعادة الدنيوية بين الجميع، وهذا برأيي غاية الدين. وأما الشيوخ فأغلبهم سيقولون لك: بل آثر أخاك واصبر على بؤس دنياك. حتى إذا وقع أحدهم في ذات الابتلاء، أوجد ألف مخرج ومخرج شرعي لتقاسم المحفظة.
أم أنا مخطئ؟!


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة استحسان تكفي.

اقرأ أيضاً: تعالوا أحدثكم عن حبّه

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s