فخّ الصداقات الافتراضية

هل ساورك الندم يوماً على ساعةٍ أمضيتها في تصفح “الفيسبوك” أو “اليوتوب” أو متابعة الأصدقاء على “الواتساب”، من دون أن تزيد في رصيدك المعرفي أو الإنساني بشيءٍ يذكر؟ ألا تتألم لففدان “ستين دقيقة” من عمرك تألمك لفقدان ورقةٍ نقدية من فئة ستين درهماً أو ريالاً أو جنيهاً؟!
هل فكرت في وجه الشبه بين تصفّح مواقع التواصل بالتجوال في “بازارٍ” كبيرٍ لا نهاية له، بحثاً عن “لا شي”! أو في أحسن الأحوال عن شيءٍ لست بحاجةٍ إليه. مواقع الأصدقاء فيه تشبه الحوانيت التي لا يتخصص أصحابها في صنفٍ ما من البضائع، فيختلط الحابل بالنابل وتنتشر الفوضى!

إدمان البحث عن اللاشيء

تتجوّل في “بازار” أصدقائك لا لشيء، إلا لأننك أدمنت الذهاب إليه كلّ يوم، لعلك تجد فيه شيئاً يستحق الوقوف عنده. ولا اعتراض على منشوراتهم طالما كان الهدف منها رسم البسمة على وجوه المتلقين أو محو الحزن عنهم. لكن نقدي ينصبّ على “عدم التخصّص” الذي يساعد المتبضع، أنا وأنت، على اختيار ما هو مفيد له.

960j
هناك لصوصٌ لا يعاقبهم القانون رغم أنهم يسرقون أثمن ما لدينا: الوقت – نابوليون

الإقبال على البائع لا على البضاعة

أكثر الناس يتفاعلون مع صفحات التواصل الاجتماعي من باب المحاباة الشخصية. وهذه حالة غير “صحية” لأنها لا تؤدي الى انفتاح الناس على بعضهم بعضاً وتبادل الخبرات فيما بينهم، كما أنها لا تساعدنا على استهداف صفحات الذين يساعدونا على زيادة خبراتنا أو تحسين مشاعرنا.

فوضى المعروضات وتداخلها

وإنما يضيع الجميع في زحمة أبعد بازار في العالم عن التنظيم. كما نضيع في سوق ينادي فيه ملايين الباعة بأعلى أصواتهم معلنين عن أصناف متنافرة لا يجمعها شيء، فيفقدونا بهجة التجول ويضيّعوا علينا فرصة العثور على ضالاتنا في زحمة اختلاط الحابل بالنابل والسمين بالغث.

اختفاء الأصناف الجيدة تحت أكوام الرداءة

لو أن كلاً منا خصّص مساهماته لخدمةِ هدفٍ او اثنين، لساعد الآخرين على غربلة الكم الهائل من المعلومات التي تنهال عليهم من كل حدبٍ وصوب. قد لا تخلو بعض المنشورات من فوائد، لكنها قد تضيّع علينا متعة الاستفادة من أوقاتنا على النحو الذي نراه وليس على النحو الذي يريده منظمو البازار.

تهافت البسطاء على المعروضات الرديئة

وما هو أسوأ من ذلك بكثير، وجود صفحات تدّعي نشر الثقافة والمعرفة في عناوينها، وهي أبعد ما تكون عن أهدافها. فما تنشره لا يعدو عن أقوال غير منسوبةٍ ولا أساس لها، ومليئةً بالأخطاء الإملائية والنحوية التي تعبر عن بعد القائمين عليها عن الفكر والثقافة في الحقيقة، وهي مع ذلك تحظى بمتابعة الملايين! الذين يعيدون نشرها كل يومٍ من غير إحساس بالمسؤولية إزاء المتلقين. بينما تجد المفكرين والأدباء والفنانين لا يتابعهم إلا القلة الذين يؤثرون تجثم عناء القراءة والتفكر والحوار البناء على إضاعة الوقت في ترّهات لا طائل منها.

975j
ما تقرأه وقت حلّك، يمهّد لما تفعله وقت شغلك – أوسكار وايلد

الضياع في متاهات البازار المترامية

تجوالك صديقي في بازار الفيسبوك مثلاً، قد يفوّت علّيك الاستفادة من أوقاتك فيما يزيدك علماً ونضوجاً، فتخرج من المولد بلا حمّص، بينما يخرج الناشرون بقليل من الإعجابات الافتراضية. وأما الحمّص فيكون من نصيب الشركات التي تظهر إعلاناتها في حائطك، وأما الأموال، فيجنيها “الأشرار” أصحاب البازار، ولو أمضيتها لاعناً وشاتماً لهم!

الخلاصة

أيها الناس، ارحمونا من هذا الكم من الغثاء، حتى تساعدونا على متابعتكم بشكل أفضل فقليل جميل خير من كثير زهيد. وتأملوا ما تكتبوه بدقة. فلله درّ الشاعر إذ قال:
وما من كاتـبٍ إلا سيفنى ****** وُيبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيءٍ ****** يسُرّك في القيامة أن تـراه

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s