التجارة الخاسرة

تخيلْ صديقي أنك قد مُتَ، ثم بُعثت في الآخرة. فوجدث نفسك وسْط حشدٍ غفيرٍ ممن شاطرك العيش في الحياة الدنيا. فإذا بك ترى من كنت تظنهم فائزين لأنهم ساروا على “النهج القويم”، قد حُكم على أكثرهم بالهلاك. فيصيبك الهلع من هول المصيبة، وذلك لأنك كنت قد تبعتهم في أمور دينك كلّها. فقل لي بالله عليك ما أنت فاعل حينها؟

إني لأشفق على اُولئك الذين ينفقون خُمس أعمارهم في دراسة شعائر الدين من حلالٍ وحرامٍ. ثم ينفقون خُمساً ثانياً في أداء العبادات اليومية وفق دينهم ”القويم”. ثم خمساً ثالثاً في تحمّل أعباء قرارات اتخذوها بسبب تمسكهم بتعاليمه. فيكونوا قد أنفقوا أكثر من نصف أعمارهم دون المساهمة في تطوير البشرية، هذا إن لم يكونوا قد ساهموا في تقهقرها.

887r.jpg
حين ينطلق من الشكوك، فسيصل إلى قناعات – فرانسيس بيكون

لست أنقدُ الدّين بقدر ما أنقد طريقة تناولنا تعاليمه في حياتنا اليومية. أليس من المفارقة أن نجد الأمم الأقلّ تديّناً قد سبقت الأمم المتدينة كلّها؟! وقبل أن يرميني بعضهم بالفسوق أقول: أنا إنسان متديّنٌ وألتزم بما يسعني من أحكام ديني. غير أنّي لا أعطي أحكام الدّين دوراً أكبر مما تقتضيه، بما قد يؤثر على تطور الأمم خاصة.

أثبتت الدراسات أن الإنسان يُخلص أكثر شيء للمعلومات التي اكتسبها في صغره، وينزع لمقاومة المعلومات الطارئة مهما كانت حقيقيةً وصادقة. هو لا يجد ملاذه وراحته إلا في ثقافة الطفولة. لأنها جاءته عن طريق أحبّ الناس إلى قلبه: أمّه وأبيه. يصعب عليه أن يفصل بين حبّه لهما وبين إخلاصه لمنهجهما في الحياة. وحين يكبُر، لا يجد منهجاً قويماً وسليماً أكثر من منهج أهله، ولو نشأ في قبائل الماساي، مع احترامي لها.


اقرأ في هذا الصدد: هذا هو ديني


ويبدو الأمر كذلك في المواقف غير المتعلقة بالدين. فهو ينجذب غالباً نحو المواقف التي تبناها أهله. فلنعترف بحقيقةٍ جليّة: ما من امرئٍ على وجه الأرض إلّا وهو يعتقد أنه يسير على منهج الفضيلة، وأن كلّ من حوله مخطئون في شيء أو أشياء. يُعدّ معلوماته صحيحةً ومواقفه منطقيةً تماماً، وهي في الواقع لا تكون صحيحةً إلا في ظل الموروثات التي سبقتها إلى قلبه. فهيمنت على خياراته وقراراته.

ما رأيك صديقي أن نُصدِق القول مع أنفسنا ولو مرّة؟ فنعترف أننا لا نملك من الحقيقة إلّا بعضها، وأن أكثر ما نحمله لا يعدو عن ظنون و اعتقادات لسنا متأكدين منها. جاءتنا عن طريق أهلنا، أو من خلال الكتب التي “اخترنا” قراءتها دون غيرها، أو تأتينا كلّ يوم من خلال قنوات الإعلام التي “اخترنا” متابعتها.

0Artboard 1@3x.png

إن المعتقدات السائدة، كما في الرسم التوضيحي أعلاه، مهما حاولنا، لا تعبّر إلا عن جزء يسيرٍ من الحقائق. ومهما دعمت العلوم والأبحاث بعضها لتخرجها من حيز الظنون إلى المعارف، تبقى أغلب الحقائق مجهولة. الاستثمار الذي نحتاجه لا يكون بالثبات على المعتقدات السالفة، بل بالبحث والنّقد والعلم والعمل، لنزيد من سعة دائرة المعارف. إن بذل جهودنا وأعمارَنا في أهداف لا تساهم في تطوير بلداننا، فضلاً عن المساهمة في تحسين مستوى البشرية، لهي تجارةٌ خاسرة.

ها قد انتهى منام الحياة صديقي، وانقطعت أحلامنا الدنيوية الغبيّة، وآن أوان الحقيقة الساطعة. وها قد أفقنا نحو الحساب في الآخرة، فبمَ أنت مجيبٌ إن سُئلت: ماذا عملت فيها؟
لو بذلنا جهودنا وأوقاتنا في عمارة الأرض وخير البشرية، بدلاً عن بذل أكثرها في عباداتٍ وطقوسٍ دينيّة لا تطعم جائعاً ولا تكسي عريانا، لأحسنّا الإجابة عن هذا السؤال.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اقرأ أيضاً: مذهب الشيطان

One Comment اضافة لك

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s