خواطر رمضانية

كانت شخصية محرك البحث “غوغل” في اليوم الأخير من الشهر الفائت، هي المعمارية الفذة: زهاء حديد.
احتفى العالم بأسره بها باستثناء بلدها، الذي سرقه الأغراب الجاثمين على صدور أبنائه بتخلفهم.

وفيما كانت مدن العالم تتسابق على آياتٍ فنية منها، رفض لصوص العراق تبنّي مشاريع عرضتها عليهم مجاناً، في محاولةٍ يائسة منها لتجميل بلدٍ أبى سارقوه إلا أن يحيلوه خراباً، لا جمال فيه ولا بنيان.

اختارت زهاء المدرسة “التفكيكيّة” في العمارة. القائمة على تحطيم القوالب التقليدية في التصميم، وعلى تجزئة المبنى إلى كتل وإعادة تشكيله بطريقة أقرب إلى النحت، وعلى نبذ الزخارف وإعطاء المبنى سماتٍ جمالية معبرة. غير أنّ زهاء امتازت بتصاميم انسيابية بديعة، لا خشونة فيها ولا تحدّي كما فعل أسلافها.

18882044_10154414166346949_2892142935806692325_n

ما أجدر أن تعيد تصميم ذاتك وبنائها على طريقة زهاء. فتتمرّد على قوالبك وموروثاتك، وتعيد تأهيل ونحت شخصيتك من خلال خوض تجارب ومغامراتٍ تساعدك على اكتشاف طاقاتك، وتتلمّس جمالك الحقيقي بدل استعارته من لباسك وزينتك، وتتميّز عن غيرك بأفكارك ومهاراتك وأخلاقك بدل أن تذوب فيهم.

وها هو رمضان فرصةٌ مواتية للاستفادة من أجوائه، فما أحراك أن تنتهز ما فيه لتصنع من نفسك آية؟

حين تقوم ساعات السحر مثلاً، تكسب ساعتين نادرتين من أجواء السكينة والهدوء. وحين تروّض لها جسمك تحصل على نظام حياتي نادر، جدير بأن تستمتع فيه بتجربة روحانية راقية. هناك من يقول النهوض صعب. أقول هو صعب لأنك حكمت عليه بذلك. فإن وجدت فيه مشقّة القيام، فخذ حماماً سريعاً أو بادر إلى تطعيم عباداتك بركعات فور نهوضك وستجد نفسك يقظان تماماً لإحياء ليلتك.

هل جرّبت قراءة القرآن مثلاً وقت السحر؟ لو مارست التجربة لأدمنتها، ولوجدت فيها لذّة نادرة وجلاءً للروح. دعوني أعترف لكم بشيء. أنا لا أقرأ القرآن بقصد التعبّد وحسب، بل أتأمل في آياته وأنقدها، وأنظر في طرائف الاستخدامات اللغوية فيها. كلّ آيةٍ تستوقفني هنيهةً فأعيد قرأءتها لأكتشف جواهر العربية فيها.

في رمضان أحيل شاشة “التلفاز” لإجازة. الأخبار أمقتها في الأحوال كلّها وأفضّل قراءة ما يهمّني منها. والدراما لا تجذبني فنفسي أحقّ بالعناية من قصص الآخرين. مجرّد إعفاء التلفاز يمنحني جوّاً من الهدوء يصلح للخلوة وللقيام بأعمال يصعب أداؤها أوقات الصخب.

963j
افتح ذراعيك للتغيير

تصفّحي لمواقع التواصل يقلّ للحد الأدنى. وأنكفئء نسبياً ولو كنت في عملي. أحصل على بركة في الوقت وبحبوحة كنت محروماً منها، أستطيع استغلالها في القيام بمشاريع شخصية طالما قمت بتأجيلها من قبل.

أعددت لرمضان ثلاثة مشاريع روحية ودنيوية. قد تستغرف مني مئة ساعة. ذاك الذي أقوم به قبل السحور، أسير فيه بسرعة الصاروخ، لأن في السحور بركة. وذاك الذي أقوم فيه بُعيد الفجر أسير فيه بسرعةٍ أقل تبعاً لحاجتي للنوم. أما ذاك الذي يأتي القيام فيه نهاية الأسبوع. فهو محكوم بحاجة بانشغالي في العمل والبيت. أضف إلى مشاريعي المذكورة سعيي إلى كسب خصالٍ جديدة هذا الشهر أفتقدها في ذاتي.

“رمضان مدرسة” نسمعها مذ كنا صغاراً. وحين كبرت أدركت أنه يمثل لأكثرهم مدرسةً للسهر والأنس والسمر، ومدرسة لفنون الطبخ والنفخ، ومدرسة لدراما التاريخ والمسلسلات. فعن أية مدرسة يتحدثون؟ أتساءل: بما أننا نلتزم خلاله نظاماً صحياً (من مطعمٍ ومشرب ونوم) وروحياً (من اجتناب شهواتٍ وأداء لعبادات) واجتماعياً (من صلة للأرحام وإحسان). فلِم لا نقوم بتوسيع التجربة بهدف اكتشاف ذواتنا وتجميل أخلاقنا وتطوير مسيرتنا وتصحيح حياتنا؟ ألا إنه أيام معدودات فاستبقوا الخيرات وتزودوا من اليركات.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s