مذهب الشيطان

حين قدمت هذه البلاد مهاجراً، عانيت الأمرّين في تأمين المعيشة، وقمت من أجل ذلك بأعمال لا أحبها. فبعد شهورٍ تعرّفت في أحد المساجد على ملتحٍ متزوج وله أولاد، قادمٍ من الخليج، وهو طالب ويعمل في الوقت نفسه في إحدى محطات الوقود. ثم إنه أعانني على العمل معه، فاستأنست رفقته. قبل أن تريبني بعض تصرّفاته وما كان يطلقه من أوصاف على زبائن المحطة، من قبيل: “كافرٌ” و”فاسقة” و”مشركين”.

وفي أحد الأيام فوجئت لدى وصولي العمل بسيارات الشرطة تملأ المكان. وصاحبي وسطهم يتصبب عرقاً. ثم عرفت أنه في أثناء الخدمة، تلاطف مع زائرةٍ ترتدي قصيراً، فتلمّس فخذها ظناً أن ذلك له. فما برحت مكانها حتى اتصلت بالشرطة. وشرطة هذه البلاد لا تهبّ لنجدة أحدٍ، إلا أن تكون امرأةً تعرضت لتحرش!

فعجبت من أمره رغم أني كنت قبلاً أسمع عن سلوكه فأكذّبهم. ثم اعتدت بعد ذلك على رؤية المتدينين وهم يسرقون ويكذبون ويستحلون ما حرّم الله، حتى تبخرت حلقة القداسة التي كنت أحيطهم بها. وأدركت أن دين المرء خُلُقه. فمن لم يردعه خُلُقه وضميره عن ارتكاب الشرور، فلن تردعه قراءة الكتب المقدّسة ولا كثرة الصلاة والصيام. بل تصبح العبادة بالنسبة إليهم وسيلةً لحمايتهم من الشبهات.

935r
باسم الدين، يتم ارتكاب الأعمال الشيطانية بمنتهى الطمأنينة والغبطة

قد يوجد من غير المتدينين من يرتكب أكثر من ذلك، لكنّ فارقاً كبيراً بين من يرتكبها باسم الله، وبين من يرتكبها باسم “حرية الاختيار”. أجد نفسي ملزماً بتبرئة غير المتدينين من فريّةٍ ما فتئ المتدينون يرمونهم بها: بعدهم عن الله سبب فسادهم. إن كان الأمر كذلك، فما سبب فساد “أولياء الله وأحباؤه”؟

أكثرهم يعبد الله بالحركات وقلوبهم مريضة، ويعرفونه بالواجبات وألفاظهم بغيضة. يتحدثون عن الله عشرات الساعات وهم أول الجاهلين به. يقرأون كتاب الله كما لو أنه يثني عليهم ويدين سابقيهم، يقرأونه قصصاً ونواهي، لا عبراً ومعاني. فإذا ذكر “المنافقون” فيه، فإنهم غير ملومين. وإذا ذكر “أهل الكتاب” فيه، فإنهم غير معنيين. وإذا ذكر أهل “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”، فإنهم هم أصحاب الدّين.

بالأمس حصلت سابقةٌ مخزية. إذ رفض أعضاء منتخب البلد الذي جاء منه صاحبي مهاجراً، الوقوف دقيقة حدادٍ في سيدني، على ضحايا هجوم لندن وبينهم استراليان. مع أنهم أحيطوا علماً بهذا الإجراء المعهود في عالم الرياضة، في البلدان التي يتعاضد أهلها كمثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم خاصة. بينما أبى منتخب “المؤمنين” واستكبر وكان من الكافرين، كحال إبليس إذ دُعي إلى إجلال آدم!

فهموا العبودية ألا يقفوا إجلالاً إلا لله. مع أنهم يستعبدون خدمهم وعمّالهم في أسوأ أشكال استعباد الإنسان لأخيه وأخته! ومع أنهم يخرّون للأذقان لملوكهم راكعين، كما لو كانوا سبب وجودهم، وألسنتهم تلهج آناء الليل وأطراف النهار بحمدهم شاكرين! ومع أن ملوكهم يهبّون من كلّ حدبٍ وصوب إلى“ترامب” مقدّمين الجزية طائعين! هُم من أحيوا العبودية لـ “غير الله” بعد أن انقرضت من سنين.

الفتاوى التي ترفض وقوف الإنسان احتراماً لأخيه، ثمّ تشجعه على الركوع لتقبيل يدي الملك! خرجت من المنبع ذاته الذي احتاج مئات الكتب لتفسير “وحدانية الله”، فما أفلحت إلا في تخريج المجرمين! والفتاوى التي تقتضي نعت الناس كفاراً وفاسقين، هي ذاتها التي تقتضي استحلال مال وعِرض ودم المخالفين، وهي ذاتها المسؤولة عن هجوم لندن، وهي ذاتها المسؤولة عن إبادة داعش مئات الرجال والنساء والأطفال في الموصل في بيوتهم بدمٍ بارد، حين أرادوهم دروعاً بشرية، فأحسوا منهم رغبة الخروج نحو القادمين لإنقاذهم.

أجدني في غنىً عن تسمية هؤلاء، لكن مذهب الشيطان واحد، لا يحتاج أدلة.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

One Comment اضافة لك

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s