منارة الحدباء … والشجرة الملعونة

أوكل المتصرّف (أو العمدة) في إحدى المدن، إلى أهم طنبوريّ (أو بنّاء) فيها، ترميم مئذنة الجامع القديم، للضرر الذي أصاب أجزاءً عاليةً منها. وانطوى الأمر على مغامرةٍ وقيمةٍ كبيرة لأهمية المئذنة، وقد تطلب إنزاله بصندوقٍ خشبي معلّق بحبال قوية من أعلاها. فأصلحها وأعاد زخرفة الأجزاء الجديدة كسابقتها. والناس يتفرجون. وحين أكمل عمله ونزل، تقدم المتصرّف شاكراً وسأله عن أجرته. فأجابه الطنبوري سائلاً:
– لمن هذا البيت؟
– هو بيت الله. أجابه المتصرّف.
فقال الطنبوري: -إذن أنا وصاحب البيت نتفاهم، فأجرتي عنده.

بقي أن تعرف أن الحادثة حقيقيّة حصلت في عام أربعٍ وأربعين وتسمائة وألف. وأما المئذنة فهي الحدباء الشهيرة ذاتها. وأما الطنبوري فكان موصلياً مسيحياً. لم يوجد ما يمنع من ائتمانه عليها. ولم يكن يخشى الناس بعضهم بعضاً، وكان الديّان هو الضامن للناس على اختلافهم، من قبل أن يظهر التكفير ويحصد ما بقي من قيمٍ حميدة، ويحصد معه الكنائس والأديرة المقدسة وشواهد القبور والآثار. كما لم تسلم رفات الميّتين من الاعتداء كما حصل في نسف أضرحة النبي يونس والنبي شيث والصحابة عمار بن ياسر وأويس القرني ونبش رفات حجر بن عدي، وغيرهم الكثيرين.

منارة الحدباء
منارة الحدباء – رمز الموصل

اقرأ أيضاً: قفصٌ اسمه الماضي


بقيت الحدباء شامخةً تحرس أهل الموصل ويحرسونها ألف سنةٍ إلا خمسين، فما دنا منها حاقد خلال تاريخها. إذ مرّ بها المغول ثم التتار ثم الصفويون ثم العثمانيون، دخلوا الموصل غزاةً بعد حروب طاحنة. كما دخلها الإنكليز والأميركان. لكن ما اجترأ على الحدباء غير خوارج المسلمين ممن ادّعوا حمايتها وأقاموا دولة الباطل بظلها.

تقرّبوا إلى الله في رمضان بفعلتهم الآثمة، كما تقربوا إليه آلاف المرات بذبح الناس وقتلهم في تهمٍ جائرة، كما تقربوا إليه بنسف المدارس والأسواق، وكما فجّر غادِرُهم شاحنة التمر المفخّخة مع أذان الإفطار، بعد أن نادى إليها البسطاء ليحصد أرواحهم. وكما تقربوا إليه بسبي النساء وخطف الأطفال.
تقربوا إلى الله بهدمها ليلة القدر، كما انشغل أولياؤهم في بيعة صَبيّهم الغرّ لولاية العهد، فيما باقي المسلمين مشغولون بإحياء الليلة المباركة بالصلاة والعبادة.

يدّعي بعضهم أن داعش حركة صهيو-أميركية وليست من الإسلام في شيء. وأنا أسألهم: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؟ لمَ يتحمّس أكثرهم ويدعون لهم سرّاً أو جهراً؟ عشيّة تحرير الموصل وصلتني رسائل من داخل كندا تطلب حشد الدعاء لهم، قائلةً: إن سقطت الموصل فلن تقوم للإسلام قائمة. فيا سبحان الله!

وكيف يرضى عاقل على الانتحار وسط أبرياء إرضاءً لغيره؟ وكيف يُقبل مسلمٌ على الإنتحار وسط مسلمين إرضاءً لأميركا؟ علاج الداء لا يكون بأخذ المسكّنات، وإنما بالبحث عن أصله. وداعش ليست أميركية المنبت، وإن كانت أميركية الفروع.

عقل المتعصب
عقل المتعصب

سيعترض بعضهم. فأقول: ما بال شيوخ المسلمين صامتين حيالهم؟ مالهم لا يعلنون أن هؤلاء خوارجُ وما هم بمسلمين. فليتبرأوا من منبتهم، كما تبرأوا من قبل من البهائية والأحمدية وغيرها، مع أنها ما اعتدت ولا سفكت ولا قتلت. القاعدة وداعش وغيرها، فروع شجرةٍ نبتت في الأحساء قبل مئتين وثمانين سنة، ومازلنا نرى عجباً من منبتها ونحن صامتين.

أصدقائي صديقاتي، تلك شجرة ملعونة فلا تقربوها. أما علمتم أنّ كلّ من يُقصي الآخرين غاصباً حقوقهم فإنه يسقيها؟ وكلّ من تأخذ من قلبه كراهية قومٍ لما لا ذنب لهم فيه فإنه يسقيها؟ وكل من يرى لنفسه ما لا يراه لغيره فإنه يسقيها؟ حرروا أنفسكم من الطائفية، ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ أن تعدلوا. حرروا قلوبكم من التعصّب، قبل أن تحرروا أرضكم من الاحتلال. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

وليبدأ كلّ بنفسه.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اقرأ في ذات الصدد: نقد الخطاب الديني

One Comment اضافة لك

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s