كُن بَلسماً

أطول وأعمق دراسة ميدانية في تاريخ البشرية، تلك التي تجريها هارفارد منذ ثمانين عاماً، لاكتشاف السرّ وراء حياة أفضل لبني البشر. وتقوم على مراقبةٍ طبّيّة لأربعةٍ وعشرين وسبعمائة فرد، مازال بعضهم على قيد الحياة. تم انتقاء ثلثهم من طلاب السنة الثانية في الجامعة، فيما اختير الباقون من أفقر أحياء بوسطن وأكثر البيئات حرماناً.

تمّ فحصُهم بعناية، وزار الباحثون بيوتهم وتحدّثوا إلى أهاليهم. كبُر الصغار ودخلوا مضمار الحياة. صاروا عُمّالاً أو أطباء، حرفيين أو محامين. أحدهم أصبح رئيساً للولايات المتحدة، فيما أدمن بعضهم الكحول. تسلّق بعضهم السلّم الاجتماعي من أسفله إلى قمته، فيما قطع آخرون الرحلة ذاتها باتجاهٍ معاكس.

“لم يتخيل مؤسسو هذه الدراسة في أقصى طموحاتهم، أن أقف اليوم أمامكم بعد كلّ هذه السنوات لأحدّثكم عنها”. هذا ما قاله مدير الجيل الرابع للباحثين. إذ مازالت الدراسة مستمرة ولا يزال فحص أجسام الباقين منهم على قيد الحياة وأدمغتهم يتمّ كلّ عامين، من أجل تقييم نتائجها بعنايةٍ.

9909j.jpg

ثلاث نتائح مهمّة توصّل لها الباحثون: السعادة هي المصدر الأساسي للصحّة الجسميّة والنفسية، وليس العكس. وأنها لا تتحقّق بالمال ولا بالشهرة ولا بالإنجازات ولا بالسفر ولا بالعلاقات الغرامية، كما يتمنى أغلبهم. كما أنها لا تتحقق بالاجتهاد في العمل وطلب العلم بالضرورة. بل بالتواصل الإنساني. أعلم أن هذا قد يفاجئ بعضهم كما فاجأني. غير أن هذا ما توصل إليه العلم. وهو ما يتفق تماماً مع ما تقوله الأديان منذ آلاف السنين.

والنتيجة الثانية هي أن العلاقات الاجتماعية ليست ضروريةً لراحة النفس وسلامة الجسم وحسب، بل ولسلامة العقل أيضاً. أكثرُ المصابين بأعراض الشيخوخة وفقدان الذاكرة هم من المعزولين اجتماعياً. الوحدة سامّة. لا يمكن تبريرها بالانعزال بهدف طلب العلم أو العبادة. ولا تبرّر بمتابعة الأخبار ولا “التلفاز” بالطبع!

لكن المؤسف حقاً أنك قد تشعر بالوحدة ولو كنت محاطاً بالأصدقاء. وقد تشعر بالضياع ولو كنت محاطاً بزوجةٍ وأبناء. وقد تشعر بأنك منبوذٌ مهما شاركت في مواسم أو دُعيت إلى ولائم. توفّر العلاقات في حدّ ذاته لا يضمن صحّة صاحبها ولا يحقّق سعادته. بل المطلوب هو جودة العلاقات ودفئها وليس مُسمّاها. الفراق مثلاً خير من زواج تملؤه الخلافات. المطلوب هو أن تُحِبّ وتُحَب من قبل الناس. من كان راضياً عن علاقاته في سنّ الخمسين، بلغ الثمانين بصحةٍ أفضل. وتلك هي النتيجة الثالثة.

إذا أردت معرفة المزيد عن الدراسة، فعليك بالرابط: Good genes are nice, but joy is better


اقرأ أيضاً: ما أبخل القلب البشري


كلّمت منذ يومين عزيزاً يكبرني. فشكا لي برودة أصغر أبنائه، طالب الدراسات العليا الذي مازال يعيش معه. استمعت له مليّاً وأبديت تعاطفي وتفهمي لمعاناته مع ولده “بارد المشاعر” حسب وصفه. ثم سألته في النهاية: لمَ تنتظر منه المبادرة؟ لمَ لا تكون أنت صديقه وحبيبه وطبيبه النّفسي فيما إذا كان محتاجاً إلى مَن يُطبّبه؟ الشيخ الدؤوب الذي أفنى حياته في العمل لبناء أسرةٍ ناجحة، عجز عن مدّ جسور الحب إلى أصغر أبنائه!

صديقي، عامل الناس بالحسنى وليس بالمِثل. هذا ينطوي على مثاليةٍ ومشقّة قد لا يُحسن أكثرنا تقديمها بلا مقابل. لكنّي أعلم أنك بالحبّ تجعل عدوّك صديقاً، وسيّء الخلق لطيفاً، وبارد المشاعر حميماً. ليكن لسانك بلسماً، تَصنّع الحبّ في عينيك وتشرّبه في نفسك، ليُزهر دفئاً في قلبك وينعكس بهجةً في حياتك. علّمت نفسي هذه الطريقة في تصنّع مشاعر الودّ حتى أتقنتها لأنعم بحياة هانئة. فليس المحظوظ من كان ذا جاه وأولاد، بل من أولى علاقاته الشخصية بأسرته وأصدقائه ومجتمعه أهميةً أكبر من تلك التي يوليها لعمله ومشاغله. وصدَق إيليا أبو ماضي إذ أنشد:

كُن بلسماً إن صار دهرُك أرقما

وحلاوةً إن صار غيرُك علقما

إن الحياة حبَتك كلَّ كنوزها

لا تبخلنَّ على الحياة ببعض ما

أحسنْ وإن لم تُجزَ حتى بالثنا

أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إن همى؟

مَنْ ذا يكافئُ زهرةً فواحةً؟

أو من يُثيبُ البلبل المترنّما؟

عُدّ الكرامَ المحسنين وقِسْهُمُ

بهما تجدْ هذينِ منهم أكرما

ياصاحِ خُذ عِلم المحبّة عنهما

إنّي وجدتُ الحبَّ علما قيّما

لو لم تَفُحْ هذي، وهذا ما شدا

عاشتْ مذمّمةً وعاش مذمّما

فاعمل لإسعاد السّوى وهنائِهم

إن شئت تَسعدُ في الحياة وتنعما


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اقرأ أيضاً: رسولُ الحب

14 Comments اضافة لك

  1. التنبيهات: ّرسول الحب
  2. جود كتب:

    ( تصنّع الـــــودّ) هذه الكلمتان هي جوهر المقال . ويبدو بأن تعلّم تصنّع الود يحتاج إلى مجاهدة النفس ، فــ لقد تذكرت حديث الرسول عليه السلام -إنما العلم بالتعلّم . و كذلك كسب محبة الناس يكون بالتعلّم وإن كان تصنع محبتهم احد الطرق لكسبهم ،

    أحببت القصيدة كثيرا ،، أبياتها عميقة ، شعرت بأنها رسالة وقد وصلت لقلبي في وقت كنت بحاجة لسماع ما يجعل قلبي يهدأ ( كن بلسما إن صار دهرك أرقما ،، وحلاوة إن صار غيرك علقما )

    صحيح بأنّ السعادة هي مصدر الصحة الجسمية والنفسية لكن الانجازات قد تعطي لسعادتنا طعما أكثر روعة ، والعلاقات الإجتماعية لا غنى عنها لكن كما يقال ( أن صديق واحد يغنيك عن ألف عائلة وألف حبيب خير من ألف صديق لا تشعر بوجودهم ولا بقيمتهم كأصدقاء ، أو حتى أحيانا كــ بشر .)

    مقال رائع ، استفدت منه كثيرا .

    https://polldaddy.com/js/rating/rating.js

    إعجاب

  3. جود كتب:

    بس ملاحظة بسيطة : ما اعرف ليش يوم اكتب تعليق يطلع رابط نهاية التعليق ..


    https://polldaddy.com/js/rating/rating.js

    إعجاب

    1. aqbas كتب:

      شكرا جزيلا للتنبيه .. سأرى ااسبب

      إعجاب

  4. bakirsite كتب:

    كُن بلسماً إن صار دهرُك أرقما
    وحلاوةً إن صار غيرُك علقما
    راق لي هذا البوح !!
    https://sociopoliticarabsite.wordpress.com/

    Liked by 1 person

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s