حصل بعد مائتي سنة

– أمي. أصحيح ما قاله صديقي، إنني لست مغربيّ النسب؟
– هذا بلدنا جميعاً يا سعد. أجابت الأم وأردفت: عرباً كنا أو أمازيغ، مغاربةً كنا أو مهاجرين. استقبلت المغرب ملايين اللاجئين من عرب المشرق، كما استقبلت المسلمين واليهود من اسبانيا قبل ذلك بمئات السنين.
– لكن ما كنت أعلم أن أجدادنا جاؤوا من شبه الجزيرة اليهودية. سأل سعد مستفسراً. فأجابته أمّه:
– كان العرب هم سكان شبه الجزيرة. وأما اليهود فكانوا يقيمون في أرض صغيرةٍ تسمّى إسرائيل، وعاصمتها أورشليم الشهيرة.
– المدينة التي قال عنها بابا يوماً: كان فيها مسجدٌ مهمّ يصلّي فيه المسلمون؟
– نعم حبيبي. أجابت الأم، وقالت: كان هناك مسجدٌ شهير يدعى الأقصى، أزاله اليهود منذ زمن. كان يسبّب المتاعب ويحول دون بناء هيكل سليمان العظيم. وفي كلّ الأحوال لم يكن بأهمية الكعبة.


اقرأ في هذا الصدد: منارة الحدباء … والشجرة الملعونة

950q
Abraham Lincoln – أفضل طريقة لتنبؤ المستقبل هي أن تضنعه بنفسك

– ولكن الكعبة موجودةً اليوم في أرضهم أيضاً؟ سأل الغلام مستنكراً.
– لا بأس يا بنيّ، طالما سمحوا لنا بالحجّ إليها.
– لكنهم لا يسمحون لنا بزيارة نبينا عليه السلام. فأعقبت الأم:
– لا يسمح اليهود للمسلمين بدخول يثرب لأنها عاصمة مملكة يهوذا. لكن زيارتها ليس من أركان الحج. ثم لا تنسى أن مكة محاطةٌ اليوم بحدائق غناء، ومن قبل كانت في وسط الصحراء. وكانت مملكة الحجاز الغابرة قد دَمّرت آثار المسلمين كلّها ولم تُبقِ منها غير الكعبة نفسها، وبنوا برجاً ذي ساعةٍ وهلالٍ كقرني الشيطان يشرف على الكعبة. فأزاله اليهود، وسمحوا للمسلمين بزيارتها، وساد الأمن والرخاء ربوع شبه الجزيرة كلّها، بعد المآسي والحروب التي سادتها.
– ألم يحزن المسلمون حين تركوا الأرض التي عاش فيها أجدادهم طويلاً؟ سأل سعد.
– بلا يا ولدي. المسلمون لطفاء وعاطفيون. بكوا طويلاً ولطموا صدورهم كثيراً وحزنوا مليّاً. لقد كان أجدادنا صابرون محتسبون. واستنكر العالم ما حصل لهم. واهتزّت منابر المؤتمرات بالخطب العصماء التي أثلجت قلوب العرب كافّة. ومدّت الأمم يد العون والمساعدة لملايين اللاجئين.
– أرى أننا استأنسنا الذلّ والمسكنة. علّق سعد المشاكس.
– هذا ليس ذلاً ولا مسكنة يا حبيبي. أجابت الأم. بل هو قوةّ في الصّبر، وقدرةٌ على برمجة العقل الباطن على التعايش مع الواقع، ومهارةً في جذب عطف الآخرين.
– فكيف استطاع أهل اسرائيل الصغيرة ابتلاع أرض الحجاز الكبيرة؟
– لا تقل ابتلعوها يا حبيبي، بل قل دخلوها. أجابت أمه.
– فكيف دخلوها، يا أمي؟


اقرأ في هذا الصدد: موسم الحج إلى ترامب

994r
Martin Luther King – لا يجب أن نتبرّأ من ذنوب المسيئين وحسب، بل ومن السّكوت المزري للطيبين

– قصةٌ طويلة. كان أجدادنا غارقين في حضيض الجهل والتخلّف، وكان العالِم عندهم مَن تعلّم فرائض الدّين وعلّمها. فيما كانت الهندسة والعلوم والفنون والآداب مهملة. وكان المتعلّمون مُفلِسين ولا يسمع لهم أحد أو يحترمهم. وكان ملوك الطوائف سرّاقاً ومستبدّين ومتناحرين. جعلوا الدنيا أكبر همّهم والدّين أكثر شغلهم، وأداروا للمعارف ظهورهم. فتغلغل اليهود تدريجياً إلى أراضيهم وما سمح الملوك بمقاومتهم، بل عاونوهم ضد أهاليهم. كما تآمر ملوك الطوائف على بعضهم بعضاً. وتأمروا على دولٍ عربيةٍ شمال وجنوب الجزيرة. ودكّوها بالصورايخ تارةً وبفتاوى الجهاد تارة، حتى قضوا عليها كافة، ولم يعد في المنطقة من دولٍ قوية سوى إسرائيل. فلم يجد ملوك الطوائف بدّاً من رهن ممالكهم لها، لتُبقي عليهم أمراء فيها، ولتبعد شرّ الفرس عنهم.
– أوليس الفرس مسلمين؟ سأل سعد.
– لا، لا، نحن لا نثق بهم مطلقاً. أجابت الأم وتابعت: الفرس والترك أغراب عنا. بينما اليهود ساميون وأبناء عمومتنا نحن العرب. تجمع بيننا وبينهم سمات الصدق والوفاء، وتجمعنا عداوتنا المشتركة للمسيحية. نحن وإياهم كما ترى يا حبيبي، أصحاب قضية!
؟


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s