نقد الخطاب الديني

نقد الخطاب الديني موضوع طويلٌ وشائك، ومن الصعب الإحاطة به بمقالة تكتب على عجالة. غير أنها محاولة خجولة مني لتلمس مواضع الخلل التي تسببت وتتسبب يومياً في تدمير بلدانٍ كاملة وحصد أرواح المئات. والنقاط التي أوردها هنا، لديّ من الأمثلة التي تدعمها ما يصعب حصره لكثرتها. ومن الأيات الكريمة التي تنقضها وتبرهن على أنها عكس الغرض الإلهي المنشود، ما إن لو سردته لاحتجت معه إلى خطّ كتاب كامل.

ولكنّي بادئاً، وقبل أن يرميني بعضهم بالفسوق أقول: حين أنقد الخطاب الديني السائد فأنا أبرّئ الأديان، وأدين القائمين على إيصالها وتدريسها لنا. التعليم الديني في صورته الحالية لا يقوم على تنشئة أجيال من المؤمنين، بل جيوش من الرعاع أو المنافقين أو القتلة أو الجهلة في أحسن الأحوال. وسأبيّن لكم خلال ثلاث دقائق، النقاط الأشد خطراً وأثرها السلبي على عقول الناشئة أو العوام من الناس. ثم سأقوم تباعاً بالإضافة إلى هذه القائمة كلما تسنّى لي ذلك:

أولاً – الخطاب الديني يقوم على التخويف من عقوبات الدنيا التي تلحق بالمقصّرين أو المخطئين. كلّما نزلت بالمتدينين نازلة، يفاجئك رجل الدين بقوله: هذا من بعدنا عن الله. وهل الملحدون أقرب منّا لله؟ مالنا نرى بلاد الإلحاد متقدّمة للدرجة التي يتمناها أكثر المتديّنين؟! سيجيب رجل الدّين: إنما يمدّهم الله مدّاً!

فماذا عن البركة التي ألقاها الله في بلادهم ونزعها عن بلادنا؟ الخضرة والماء والوجه الحسن من جهة، والعدل والنظام والسلام من جهة أخرى، وقارنهما بالجوع والمرض وغضب السماء على بلادنا من جهة، وبالجور والبغض والتفاوت الطبقي من جهة أخرى! التخويف من العقوبات الدنيوية تدفع الناس للشكّ ولا تحثّهم على التقوى.

لا تستوحشوا طريق الحق

اقرأ أيضاً: موسم الحج إلى ترامب


ثانياً – الخطاب الديني يقوم على إغلاق الباب على العقل وإطلاق العنان للمرويات ولو كانت متضاربة. فإذا ناقشت رجل الدّين في مسائل، ما أسهل أن يأتيك الجواب: هذا هو ديننا. وفي هذا كذب على الله. والحريّ: أن يعترف بعدم وجود دليل قاطع، ليترك للسائل هامش الإجتهاد. أكثر رجال الدين يدّعون المعرفة فيما لا يعدو أن تكون محض ظنونٍ. النصوص الموروثة ما لم قطعية الثبوت، فإنّها لا ترقى إلى مستوى الإعتقاد.

كلّما اتسعت دائرة المسلّمات والمرويات، صغُرت المساحة المتروكة للعقل والاجتهاد، مما يؤدي إلى مذاهب أكثر وآراءٍ أقلّ. حين يختار المجتمع ما يناسبه من قوانين وضعبة، فإنه لا يكفّر بعضه بعضاً. لكن الأديان إذا تباينت في مجتمع، فإنها تمزّقه إرباً إرباً. أليس هذا ما يجري في ساحة الوطن العربي؟! إن إطلاق العنان للمرويات يتسبب في ظهور عدد غير متناه من المذاهب.

ثالثاً – الخطاب الدّيني، بشكل أو بآخر، يقوم على تقديس التاريخ ورجالاته وأحداثه. يقدّس المتديّنون أفراداً ربما كانوا في زمانهم متنافرين أو حتى متحاربين! لا لشيء إلا لأنهم بفعل الروايات في زماننا أصبحوا رموزاً دينية لا تقبل النّقد ولا المناقشة! وهذا يجعل ما يردنا من أفعالهم سنناً تستوجب الإتباع، ولو ناقض بعضهاً بعضاً، ولو لم تكون الروايات المنقولة عنهم قطعيةً. الأمر ذاته ينطبق على تقديس مناسبات الماضي، وتقديس أزياء الماضي، وتقديس عادات الماضي.

رجال الدين غالبا ما يدعون الناس لعيش الحاضر بأفكار الماضي وعاداته، والأصح أن نعيش روح الدين وقيمه، لا أن نحيي مظاهره وشكلياته. غاية الدّين هو إصلاح علاقة المرء بربّه وبالناس من حوله. كثيراً ما تتعاظم الشكليات والرموز البشرية في نفوس المعتقدين حتى تصبح آلهةً صغيرةً موازيةً للخالق تبارك وتعالى عما يصفون. الأنبياء والصالحون ارتدوا ثياباً عصرية لهم، وحكموا بمقتضى زمانهم لا بمقتضى أسلافهم!

رابعاً – الخطاب الديني يركّز في الدعاية على القصص. وأغلب القصص على أحد وجهين:

  • فأما غير واقعية ولا تقبل التصديق.
    والعبرة هي الأصل في القصة، فإن ضاعت مصداقية القصة ضاعت العبرة منها.
  • وأما مختلقةً ومرسومة لخدمة غرض معيّن دون سواه.
    فقد تسمع من جماعتين قصتين لهما ذات البداية ونهايتين. وقصص الحياة مفتوحةً لا تقبل أن يأسر نهايتها أحد.

الأصح هو استعمال القصص لضرب الأمثال بحيادية، لا للاقتداء. وأما المرويات التي يستعملها رجال الدين لإثبات صحّة عقائدهم وفتاويهم، فلا قيمة لها، ما لم يتم دعمها بما يثبت صلاح الفكرة التي يذهبون إليها. ولو كانت الفكرة صالحةً في الأصل وقوية بما فيه الكفاية، ما احتاجت لقصصٍ لكي تبرّرها!

المرويات لا حصر لها وما من طائفة إلا ولها من القصص المرويّة، ما لا يعدّ ولا يحصى. الخطاب القصصي هو خطاب دعائي ينشد إقناع الناس بغرض دينيّ ضيّق أو سياسيّ محض، وهو بعيد عن الواقع سهل القبول وعن المنطق سهل التصديق، ولهذا فهو عاجز عن اقناع الناس بإصلاح أنفسهم.

العقلاء يملؤهم الشك

اقرأ أيضاً: منارة الحدباء … والشجرة الملعونة


خامساً – الخطاب الديني ما فتئ يمجّد الأمراء والخلفاء المتجبرين ويسمّيهم “أقوياء”، ويثني على غزواتهم على أنها فتوحات وعلى حروبهم مع جيرانهم على أنها جهاد، كما أنه يبرر أساليب بطشهم لأعدائهم على أنها إعلاءٌ لكلمة الله. واتخذ الدّين من السيف أو الخنجر أو غيرها من الأسلحة رموزاً له، مع أنّ غاية الدين هي سيادة الأمن وإحلال السلام والتعايش بين الأمم.

وهو كذلك يخلّد ذكر من عمروا المساجد الضخمة وبنوا القصور، وزينوها بالزخارف الفخمة وطلوا القباب بالذهب وزخرفوا القبور، ولو كانت أموالهم منهوبة وتجارتهم مغشوشة. الخطاب الذي يثني على الأقوياء والمتجبرين، ويترحم على الأثرياء والأعيان وينسى الضعفاء والأتقياء والمفكرين، لن ينتج سوى أمّة تهوى سفك الدماء والبطش بالضعفاء، ونهب المال العام وبذله في سبيل الشهرة، حتى يصبح فيها السفاح مهاباً والسارق محموداً والقوّاد فيها “قبضاي”!

سادساً – يؤكد الخطاب الديني على أن خير العلم، إن لم أقل كلّ العلم، يكمن في الدراية بالفقه والعقيدة! وأما ما عدا ذلك من علوم، فهي تتأرجح في مفهوم رجال الدين بين معارف دنيوية لا يؤجر أصحابها عليها، وبين عبث لا طائل منه متروك أمر أصحبها لله، وبين علوم تساهم في نشر الفساد واصحابها آثمون . بل إن بعضهم يعدّ الأميّة مفخرة لهم!

ومع أن رجال الدين أنفسهم يستخدمون أحدث أجهزة الاتصال ووسائل التنقّل وغيرها من سبيل تقدّم البشريّة، فهم لا يدينون إلى مبتكريها ولا صانعيها بشيء. هذا إن لم يرمونهم بالكفر أو الشرك! والأغرب من ذلك أن بعضهم يعدّ وسائل الحياة الحديثة للمؤمنين نعمة! أي أن الله قد سخر الكفّار لخدمة المؤمنين بصناعتها لهم. حتى يتفرغ المؤمنون للعبادة الخالق، تعالى عما يصفون. وبذلك لا يشجع رجال الدين على العلم، بل على الجهل، ولا يصبح العلم الدنيوي فضيلةً لخدمة الانسانية وفريضة، بل عبثاً لا طائل منه.

ليس الفاسق من نظر في دينه وراجع معتقداته، فأثبت الصالح منها ودحض البدع عنها. غير أن من يتظاهر بالالتزام الشكلي بأصول دينه، ثم يفشل في اختبارات الحياة العملية، فهو منافق ودعيّ. ولنا في ما يجري على الساحة المترامية من البلاد العربية خير دليل.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اقرأ في ذات الصدد: مذهب الشيطان

One Comment اضافة لك

  1. التنبيهات: أزهدٌ هذا أم نفاق؟

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s