هذا هو ديني

حين يسألني أحدهم عن اسمي فأجيبه، يسارع لإطلاق الأحكام والتنبؤ بأصلي وهويتي.
فإن كان عربياً، يفترض أني مسيحيّ أو أمازيغي أو كرديّ المولد. وإن كان كندياً، يفترض أني تركيّ أو هندي أو إفريقيّ الأصل. ويتحوّل سياق كلامه ليعكس سلسلة الافتراضات التي بناها عني. عن براءة، من باب توثيق العلاقة. أو عن غير براءة، من باب إثبات قدرته على التنبؤ!

لِمَ يفترض أن يكون “حسين” أو “عمار” شيعيّاً؟! و”عمر” أو “خالد” سنّياً؟!
ولم يفترض أن يكون “جوزيف” أو “أنمار” مسيحيّاً؟!

وقد نفعل أنا وأنت ما يشبه ذلك، من غير قصد، لتحاشي حرج التفوّه بما قد يجرح احداً نتعرّف عليه للوهلة الأولى. ولكن يبقى السؤال: لمَ يفترض بأسمائنا أو حتى أصولنا أن تعكس انتماءاتنا؟ لم يتعين أن نأخذ موقفاً من أحدهم انطلاقاً من لغته أو من لون بشرته أو هيئته أو حتى من بعض تصرفاته؟

ما أهمية أن يشاركني محدّثي، أو من أحاول مساعدته، ذات الانتماءات والاهتمامات، أو أن يختلف معي؟
ولمَ أسعد بقول أحدهم لي: “أتفق معك”؟ لمَ يتعين على أحدهم أن يتفق معي أصلاً؟!
لمَ أفرح بتصريحٍ لمخالفٍ لي، يثني فيه على زعيم أنتمي له؟
كفرح المسلمين إذا أعلن حنّا أنه يحبّ محمّدا، وفرح المسيحيين إذا صرّح مهدي بأنه يعشق المسيح!

ولمَ أقع في مطبّ الإساءة إلى معتقدات بعضهم؟ لمَ آخذ منهم موقفاً أصلاً، ولو عن غير وعي؟
ولمَ أقف على أهبة الاستعداد للدفاع عن هويّتي، من أجل إثبات أحقّيتها؟
ولمٓ يثيرني افتراض خاطئ بشأن انتمائي، فأهبّ مستنكراً؟
وما حاجتي إلى التعبير عن مواقفي الشخصية في لقاءٍ عابر؟

أرى السبب وراء ذلك كلّه أننا نحمل شعوراً داخليّاً ساذجاً، بأن الانتماء يمنحنا الهوية وسماتنا الشخصية!
وكأنّ اللا انتماء، يتركنا عرايا معرّضين للإعتداء! فلا عصبةٌ تحمينا ولا عقيدةٌ تغنينا!

أيَتعيّن أن نختار انتماءاتنا ونقرّرها بأنفسنا؟ أم أن تختارنا هي من غير حولٍ لنا ولا قوة؟
أيُفترض بنا أن نرسم طريقنا بأنفسنا؟ أم نسير على سكّة شادها الأجداد فلا نحيد عنها؟!

وهل يكفي مجرّد حمل لقب “بوذيّّ”، لمنحي شرف حمل القيم البوذيّّة؟
وهل يكفي كوني يهوديّاً بالهوية، لتحميلي أوزار اليهود؟
وهل يكفي أن أولد لأبٍ كرديّ، لقناعتي بضرورة إنشاء دولةٍ للأكراد؟
وهل يكفي أن تكون أمّي أمازيغية، لإعطائك سبباً للاعتقاد أني أتكلّم الأمازيغية؟

إنّ عدم الاعتزاز بالانتماء لا يعني انعدامه، ولا يعني أني أخشى التصريح به. بل يعني أني حيّدت مسألة الهوية جانباً، وفضّلت أن أوسّع دائرة انتمائي لتشمل العالم بأسره. أن أعتزّ بإنسانيتي لا يعني أني أكره الملحدين، وإن كنت أكره الإلحاد، ولا يعني أنّ أتبرأ من الهندوس. ولا يعني أن أكره أتباع الشيخ الفلاني أو المنتمين للحزب الفلاني.

أرى أن التعبير عن الذات وعن القيم التي نؤمن بها، لا يتمثل في قدرتنا في الدفاع عنها. ولا يتمثّل في الاعتزاز بعاداتنا وأزيائنا ولغاتنا. بل في قدرتنا على العطاء (أو المنع) رغم انتماءاتنا.
كقدرتنا على مساعدة آخرين وإبداء حبّنا لهم رغم اختلافهم الواضح عنا. أو قدرتنا على التبرّؤ من سلوك الخاطئين المنتمين لنا، ولو كانوا أبناءنا، وعدم البحث عن المبرّراتٍ لهم.

التعبير الحقيقي عن قيمك أو انتماءاتك لا يصدر من عُجبٍ أجوف بقناعاتك ولا من تعصّبك لها.
بل يكون في سعة صدرك ونُبل حلمك ولطف خلقك وإحسانك مع المخالفين لك.
وهو يتجلّى في أحسن صوره حين تهبّ لإغاثة فردٍ يعاكسك، رغم أنك خرجت توّاً من نقاش محتدمٍ معه.
لا لشيء إلا لأنه يشاركك انتماءً أوسع من ذلك بكثير، وهو الانتماء لآدم وحواء.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

One Comment اضافة لك

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s