حين يَرجع الحرامي من الحجّ *

حدّثنا عيسى بن هشام فقال: لاحقه تأنيب الضمير بما أخذت يداه، لا يدري يقيناً: أمِن حلالٍ ناله أم مِن حرام؟ فرأى نفسه محرماً في المنام، حاجّاً طائفاً حول بيت الله الحرام. لعلّ الله يمحو بها ذنوبه، ويفيض عليه من كرمه وجوده، ما يغطي به على ملياراتٍ عديدة، وفرصٍ للاقتناص وعقاراتٍ جديدة.
فجاءه الفرج في دعوةٍ وجّهها ولاة الأمر في الحجاز، إلى بضعة آلاف من أصحاب الامتياز، للنزول ضيوفاً عند خادم الحرمين، لتقديم فروض الطاعة والتحاور في شؤون الدين. فانضمّ إلى حملةٍ من رتبة سبع نجوم، فيها من الرغد ما يحسده عليها أشهر النجوم.

958r.jpg
Dalai Lama – لا أحتاج معابد ولا فلسفات، فعقلي وقلبي هما معبدي، وفلسفتي هي خسن الخُلق

اقرأ في هذا الصدد: هذا هو ديني


نزل خلالها في أرقى الـ”أوتيلات”، عامرةً بالأسواق والـ”مولات”، ما يغري بقضاء الأماسي بين المعارض والمحلّات. فيما كرّس نهاره للأعمال الجسام، التي تطلّبت منه حضور القلب واللسان. إذ نشط خلالها في الطواف والسعي والقيام. وما قطعت عليه خلوات الذكر والصلوات، سوى آلاف الرسائل والاتصالات، تنبئه بأخبار المشاريع والصفقات، والأرصدة وقيم السمسرة والعمولات.
فسجد لله شكراً بعد كلّ اتصال: “ربّ زدني مالاً وأكرمني في جميع الأحوال”. ثم أدرك نفسه في الديار المقدسة نازلاً، فدعا: “ربّ اغفر ذنوبي، فإن قومي لا يظنونك فاعلا”! وبين كلّ وردين من أوراد الطاعة، أخذ صورتي “سيلفي”، الأولى لأهله يبسمُ فيها، والأخرى للناس يعبد فيها الله بضراعة!

وفي ليلةٍ حمراء من ليالي السياحة، جاءه نداءٌ لملاقاة صاحب السماحة. فتهيّأ بما لم يتهيّأ به لملاقاة ربّه، وحقّ لعبد الريال والتومان أن يلتمس أحسن زينته، للوقوف أمام أصحاب الفضل عليه وأرباب نعمته. فاستوصوه خيراً بأهل بيته وأوصوه بحفظ السرائر، وأعطوه مطالبهم فوعدهم الاجتهاد في تنفيذ الأوامر، ودسّوا في جيبه “شيكاً” من رقمٍ وأصفارٍ شتى، يكاد ينزع قلب العبد من صدره ويستميل هوى قومٍ لدّا، ممّن يدّعون اتّباع الإمام علي، وهم لمعاوية أقرب ودّا.

وحين قفل من الحجّ إلى أهله عائداً، ظل قلبه لمن بالحجاز معلّقاً. يخصّ أولي النعمةِ الذين أتاحوا له شرف الحجّ والزيارة، وعلاوةً عليه نال منهم أمناً ومالاً زيادة. فراح لسانه يلهج بالدعاء والثناء على صاحب الجلالة، ناسياً حال الجياع والمشرّدين في العراق بلا إعالة.
ولمّا عاد صاحبنا “مغفوراً لذنبه”، “كما ولدته أمّه” على حسب ظنّه، أشاد الخيام للحفلات، واستقبل عشيرته وذوي القرابات، وذبح القرابين وأقام السهرات. فتوافد المهنّئون والمتملّقون عليه، وكلّ يمنّي النفس بنيل ما يصبو إليه. فيما ارتدى صاحبنا حلّة المتصوفين الأخيار، وعفّر جبينه بالتراب والأحجار، ورسم ابتسامة الأطفال ووجهاً ناعساً، فبدا كأنه في دنيا العبيد زاهدا.
فأقبلوا جميعاً وانهالوا عليه، يقبّلون جبينه ويديه ورجليه، وتقبّل تهاني المتزلّفين وطالبي الحاجات، آخذاً ما حملوه له من الهدايا والهبات. وبذل في ولائمه لأهله المقرّبين والأحباب، وخلّانه من رجال الأحزاب، من الحلويات واللحوم ما لذّ وطاب.

930r.jpg
Martin Luther King – طالما بقي العقل مستعبداً فلن يتحرّر الجسد

اقرأ أيضاً في هذا الصدد: نقد الخطاب الديني


وفي اليوم الآتي تجمّع صِبية تبدو عليهم هيئة الفقر والحرمان، وخلفهم نسوة وأطفال وشيوخ وشبان، حول حاويةٍ انتهى إليها فضلات الطعام، وأكلوا منها حتى سكت عنهم الجوع، فسعِد صاحبنا والتمس الشراب للجموع. وجاء خدمه يسقونهم بأيديهم الماء، ليطفئوا عطش الحرّ وفقد الكهرباء، فتوضّأوا وأقاموا الصلاة واسترجعوا، واستذكروا العِطاش في كربلاء واسترسلوا. وبكى الجميع واستدرجوني بنشيجهم، حتى خشيت اضطراب الأرض تحت أجيجهم. ثم رفعوا أيديهم لله شاكرين، سائلين زيادة البركة على المسؤولين، ليفيضوا عليهم بما زاد عن حاجتهم، ويسمحوا لهم بإقامة شعائرهم.

ثم تفرقوا بعد جلسةٍ مديدة، وعاشوا عيشةً سعيدة!


* بمناسبة حلول عاشوراء، وأداء عدد كبير من المسؤولين العراقيين لفريضة الحج مؤخراُ بدعوة من وزارة الحج في السعودية، والقصة تلخّص الوضع الراهن في العراق تلخيصاً بليغاً.

إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

One Comment اضافة لك

  1. bakirsite كتب:

    شكري و تقديري لهذا العمل المفيد
    يسرّ موقعنا متابعتكم
    https://sociopoliticarabsite.wordpress.com/

    https://polldaddy.com/js/rating/rating.js

    إعجاب

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s