ما أضيق العيش لولا فسحة “العمل”

جُبلنا نحن البشر على حسن الظن في كلّ ما هو آت. حين يعِدك أحدهم بهديّة، يذهب خيالك بعيداً في ترقّبها. وحين تشتري آلةّ، تتوقع منها أن تعطيك أكثر مما دفعته فيها. وحين تتعرّف على أحدهم، تبحث عمّا يزيدك منه قربا. ويسري ذلك أيضاً على توقّع استقبال غدٍ أفضل.

من منّا لا يُحسن الظن في غده؟ من منا لا يتوقع أن يكون غده أجمل من يومه؟
ومن منّا لا يعزّي النّفس على ضئيل صنيعها، بقوله “سأقوم غداً بما لم يتيسر لي اليوم القيام به”؟
أو بقوله “سأحلّ الأمور العالقة غداً”؟ فإذا جاء الغد، كان كسابقه! لسان حالنا في ذلك كلّه قول الشاعر:

أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها *** ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

وليته قال: ما أضيق العيشّ لولا فسحة العمل! لأنّ الأمل الكاذب يجعلنا ننتظر الغد بفارغ الصبر. وكأنّ معجزةً ستزيل عنّا بؤس حالنا، غير آبهين إلى أنّ المبيت على حالٍ هو قبولٌ به.

999j
لا تؤجّل للغد، إلا ما تود الرّحيل دون إتمامه – بابلو بيكاسو

إنّـا لَنـفرحُ بـالأيّـامِ نقـطعُهـا *** وكُلُّ يـومٍ يـُقرِّبُنـا مـن الأجـلِ

حين تطمئنّ للفرص التي يخبّئها الغد لك، تزهد في فرص اليوم. لا تُعِرها الأهمية التي تستحقّ، وتساهم في إضاعتها. وطالما “إنّ غداً لناظره قريب”، فالدنيا مازالت بخير.

فماذا إن لم يأتِ الغد؟

دعني أسألك صديقي: إن سمعت هاتفاً يقول “هذا آخر عهدك بالدنيا”، أكنت تمضي قدماً في ما أنت فيه؟ أكنت ترجو لهو الدنيا وزخرفها؟ أم كنت تلوم العالم على سوء حظك فيه؟
أم أكنت تكمل مشاهدة “الاتجاه المعاكس” و”ريال مدريد” و”حريم السلطان” و”يو تيوب”؟!

فاعلم أن الغد صديقٌ ماكر، ما فتئ يزيّن للناس بؤس يومهم، ويعلّلهم بالآمال في غدهم. واحذر قوله تعالى: “ذرهُهم يأْكلوا ويتمتّعوا ويُلهِهمُ الأَملُ فسوفَ يعلمون”.


اقرأ في هذا الصدد: حاولت، لكني لم أقدر


طلب مني رجل أعمالٍ كندي يعرف بعض التعابير العربية مهمّةً، فأجبته “أفعل، إن شاء الله”. فردٌ ضاحكاً: “طريقتكم المعهودة لتبرير تقاعسكم”! بقدر ما استفزّني تعليقه، فقد نبّهني إلى أنّا كثيراً ما نُسيء استعمال “إن شاء الله” حتى اعتدنا التذرّع بها لتسويف أعمالنا!

إن أردت النجاح في حياتك صديقي، عليك تقطع علاقتك بـ “الغد”. إن كنت جاداً في طلب شيئٍ فبادر إليه الآن. الآن الآن وليس غداً. لو حملنا اعتقاداً راسخاً أن كلّ ساعةٍ هي آخر عهدنا بالحياة، لعرفنا كيف نغتنمها فيما ينفعنا. ولاحتفينا بكل ساعةٍ يمدّنا الله بها بعدها، على أنها فضل كبير وفرصة تستحقّ الشكر والعناية.

لا خير في عبادةٍ بغير عمل. ولا خير في مشاهدةٍ تجلب الكسل. ولا خير في مطالعات أو أحاديث لا تجدي.
عامل الناس بالحسنى وكأنك لن تراهم آنفا. أخلص في عملك وأتمّه، فإنك قد لا تجد وقتاً أصلح. اجتهد، فكلّ فرصة تفوّتها قد لا تلقى مثيلها. تزوّد بعلمٍ جديد كلّ ساعة، فقد لا يأتيك زادٌ بعدها.
لا خير في الأقوال والأخبار. ولا خير في اختلاق الأعذار.

939q
“ممكن” سأل “محال”: أين تقيم؟ أجاب: في أحلام الكسول – طاغور

ولا خير في أحلام العام الجديد ما لم:

تعاهد نفسك وتعاهد الله على تحقيقها – أولاً،
فتبادر التمهيد وتضع مخطّطاً زمنياً لها – ثانياً،
وتستثمر من مالك ووقتك وصولاً لنقطة اللاعودة – ثالثاً،
ثم تستغني عن كلّ ما يعيقك أو يلهيك عنها – رابعاً،
ثم تعلن عنها وتطلب العون ممن حولك – خامساً،
ثم تتوكّل على الله وتباشر العمل بها – سادساً.

ومن غير المرور بهذه الخطوات، ينطبق عليك قول الباري “ولا تقولنّ لِشيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ َذلك غداً”.

كلّ ساعة يكتب لك العمر فيها، لهي ثروةٌ بذاتها، لو تسنّت للأموات لدفعوا ما ملكوه من أجلها ثمنا.
وكلّ يومٍ من عمرك يُطوى، يُدنيك من لحدك شبرا.
عامٌ مِلئه السّعي قبل الأمل، أرجوه لك. فبادر قبل أن تغادر.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت، فشارة إعجاب تكفي.

اقرأ أيضاً: “إيه .. أصير أحسن”

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s