بلسميات -١

سَهى شيئاً قليلاً وهو يدعو لوليده الرضيع، كما أوصته زوجته التي قتلتنه بالأمس مراراً كلّما انهارت في البكاء. كان يتظاهر بالتماسك أمامها لكن قلبه لم يكن أقلّ انهياراً.

وحين فتح عيناه، ينظر إلى نوافذ الطائرة من حوله، اكتشف أنّ الغيوم قد حجبت الرؤية خلالها وهي في السماء. بعد أن كان قد أغلقتهما على أشعة الشمس تنفذ للتو من خلالها، حين كانت الطائرة مازالت راسيةً على مدرج المطار.

كان متعباً تماماً من قلّة النوم، إذ لم يسمح له “بلسم” بأخذ أكثر من جرعات نومٍ متقطعة في آخر ساعة. قبل أن يرنّ المنبّه معلناً موعد النهوض والسفر إلى الدار البيضاء، من أجل اللحاق بالرحلة.

ربما أخبره حليب أمه إنه سيفتقد صدر والده طيلة ستة شهور، فأراد أن يفيض عليه والده ببعض الحبّ والعناق، ما يكون له زاداً. ويالشحّته من زاد!

909w.jpg
قد تغمرك الذكريات بالدفء، لكن حذار أن تمزّقك – هاروكي موراكامي

اقرأ في هذا الصدد: حكايتي مع الكتابة


سيذكر تلك الليلة طويلاً. لعلها إحدى أطول ليالي حياته. كان بحاجةٍ ماسةٍ إلى النوم، لكن حاجته إلى ضمّ جسد ولده الغض كانت أكبر. كان يتلهّف على حمله كلّما تنهّد الرضيع في فراشه، مسابقاً أمّه الأقرب إليه.

من منهما كان الأحوج إلى الآخر؟ أكان الصغير أحوج إلى صدر والده كي يشعر بالأمن معه؟ أم كنت الوالد أحوج إلى احتضان رضيعه كي يشعر بالسكينة معه؟ لم يدرِ بالضبط. ربما احتاج كلّاً منا الآخر، كي يبثّ قلقه. يالها من أحاسيس استعصت على الوصف!

عاد فذكراً “بلسماً”، الذي لم يغب عن باله طيلة رحلته الطويلة الشاقّة، وهو يراقب مدينته “ميسيساغا” من الأعلى، أثناء هبوط الطائرة فيها. فتساءل: هل يأتي اليوم الذي أضمّك فيه ياولدي هنا؟

ما أشبه اليوم بالامس حين ودّع والديّه، يريد الهجرة الى كندا قبل عشرين سنة. يومها، أخذ يبكي في الطائرة كالطفل، ابتعاده عن أهله للمرة الاولى. واليوم يبكي سفره عن رضيعه الوحيد، ذو الأربعين يوماً.

“أرجوك فلذة كبدي، كن بلسماً لروحي كما أردتك ولا تكن جرحاً. فقد أعيتني الجروح.”


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت، فشارة تشجيع إعجابٍ تكفي.

One Comment اضافة لك

  1. joud كتب:

    سيكون بلسما كما تمنيته … بل أكثر ،
    سيصبح ناجحا بطريقة لم تتوقعها ، صدقني فــ هو نعم الإبن من خير أسرة 🙂
    ادعو الله أن يكون ناجحا ويفيد دينه ومجتمعه وبلاده بكل خير ، و تذكّر ستظل دائما أكفف الرحمن تحميه وتحيطه بكل رعاية و أمان ، وستحميه رعاية الله من أي سوء قد يصيبه . ارجو أن يأخذ بلسم من اسمه نصيبا وافيا 🙂 . و ارجو أن تجتمع عائلتك الصغيرة اللطيفة يوما قريبا 🙂

    إعجاب

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s