الحبّ الأعمى

 تتبلور مشاعر الانتماء الديني للناس في سن مبكرة جداً، ثم يتبلور بعده انتماؤهم العرقي والإقليمي ومن ثم ينبع موقفهم السياسي تبعاً لكلّ ذلك. غالباَ ما تكون العاطفة مصدر هذه المشاعر وليس العقل. نُقبل على هذه الانتماءات ونؤمن بها كحقيقةٍ لا مفرّ منها. نحبّها كما نحبّ أمهاتنا وآباءنا.

تعرّفت على رجلٍ يحمل الدكتوراه في الهندسة من اليابان. لم يعينه تأهيله ولا مركزه الوظيفي حين تعلق الأمر بانتماءاته ومعتقداته. فأخذ يحارب دونها رغم تناقض مسلّمات المعرفة مع حججه وقناعاته الغيبية المبنية على ما ورثه من تلقيناتٍ ونصوصٍ خُطّت بيد من هم أقلّ منه علماً بكثير!

934r
عقل المتعصّب كبؤبؤ العين، كلّما زاد سطوع النور زاد انكماشه – أوليفر هولمز

تتساءل: كيف تحصل المعتقدات المكتسبة من الصغر على هالةٍ من القداسة يمنحها قدراً كبيراً من الإخلاص والطمأنينة، بحيث لا تجاريها أية فكرة تناهضها مهما بدت محقّة؟

بينت الإختبارات النفسيّة أن الإنسان يدافع عن معتقداته بشدة. ومهما ظهرت له حقائقٌ تعارضها، فسيفسّرها بطريقة تدعم اعتقاداته أو يعيد تأويلها بطريقة يبطل أثرها كلياً.

وقد بينت الاختبارات أيضاً أن الإنسان قد يذعن لحقيقةٍ تناقض نظامه الغذائي مثلاً ولو كانت مغلوطة، إن قمت بعرضها عليه بصورةٍ صحيحة وبطريقة فعالة. أي أنه سهل الوقوع في فخ الدعاية حين لا يتعلق الأمر بانتمائه وهويته. لكن محالٌ أن يغيّر موقفه من معتقداته أو حتى من آرائه السياسية. بل سيتخذ موقفاً دفاعياً مستميتاً يقرّبه من قناعاته الأصلية حتى لو جاملك ظاهراً.


اقرأ في ذات الصدد: شطحات “عبَدة هُبَل”!


هو – في اللاوعي – لا يجد عقله كفيلاً بالبحث وتبنّي المواقف بطريقة منهجية. لذا، تصبح الكلمة العليا للتلقينات التي نشأ عليها، والتي سيمليها بدوره على أطفاله ومحيطه. وسيتم تداولها جيلاً بعد جيل فتزداد رسوخاً. يدافع عنها لأنه ببساطة، ربط هويته ووجوده بعقائده وانتماءاته ولم يربطها بعقله واجتهاده وانجازاته. تشرّب انتماءاته وتعشّقها حتى صارت عنواناً له. وكلما دهمه خطر يتهددها، زاد تمسّكه بها وليس العكس.

تجد من الناس من يذهب أبعد من ذلك في تعصبه لانتماءاته. إذ يشيد بها في حواراته أو منشوراته مقللاً من شأن الآخرين. وهو بذلك ممن يسيؤون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

ألا يعلم هذا المغترّ بهويته وانتمائه بأنه هدفٌ سهل لمن يحمل القدر نفسه من التعصب ولا يشاركه الانتماء؟ ألا يعلم لو أنه ولد في غير بيئته، لحمل قناعات تختلف وربما تناقض قناعاته الحالية التي كان سيرثها أيضاً من أهله.

985r
نحتاج أن نقرأ، لندرك أنا لسنا وحيدين – ويليام نيكلسون

لهذا أقول لك أخي الحبيب، حاول ألا تظهر آراءك السياسية والدينية علناً. تحاشى بذلها من غير سبب قوي. احتفظ بها لنفسك،ما لم تُقحم في نقاش وأردت عرض وجهة نظرك فيه.

وسواء كنت تحبّ الله أم تعتزّ بأحد أوليائه، أو كنتِ تحبين زوجك أو تتفاخرين بابنتك، فحبّكم محلّه القلب. لا داعي لاستفزاز الناس كل ساعة: “إن كنت تحب الله ضع إعجاباً” أو “إن أعجبتك الصورة فقل يا علي!” هذا كلّه رئاء ونفاق. الحبّ لا يحتاج إلى تصنّع. ولا داعي لإقحام الله وأوليائه لتبدو ناسكاً. قد تنفّر الناس من قناعاتك وأنت لا تشعر، وقد تقلل من حبّ الناس لك وأنت تريد لهم خيرا.

وإياك أن تهاجم اعتقادات المحيطين، وتجنب انتقاد مواقفهم السياسية بشكل مباشر. ذلك يزيد الطين بلّة. الأصحّ أن تبدي احترامك لهم أولاً ولانتماءاتهم. اسألهم عنها من باب الاستزادة وليس من باب الاستنكار. وإن لم يعجبك شيء ما، فاعرض رأيك بصيغة الاستفهام وليس بصيغة التقرير. وبين الطريقتين فارقٌ كبير.


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت، فشارة تشجيع إعجابٍ تكفي.

اقرأ أيضاً: هذا هو ديني