أين المسيح؟

أحترم الدعاة والمصلحين. لكن أن يجلس أحدهم وسْط حشد من المتدينين، في أكثر البلدان تديّناً وأبعدها شططاً في الوقت ذاته، ليحدثهم عن شعائر الله، فذلك تزلّف ونفاق. الأحرى به أن يدعوهم إلى الإستقامة أو العدل أو الإحسان أو الأخلاق أو النزاهة أو جبر الخواطر، لا أن يدعوهم إلى مزيدٍ شعائرٍ نشأوا عليها أصلاً، فلم تمنعهم من فسادٍ ولم تردعهم عن ظلمٍ، ولم تجعلهم صالحين!

توصف البلاد العربية عامة، عند الغربيين والشرقيين على حد سواء، بأنها أكثر البلاد تديّناً وفساداً في الوقت نفسه. كثرة وعاظ مع قليل من المتّعضين. تمسّك بالغيبيات مع احتقار للمخلوقات والموجودات. وتلك هي مشكلتنا مع الدين في مفهومه السائد. فإن يكمن الخلل؟

871r
الدين المجرّد لا يعطيك الأخلاق – ويليام غودوين

أرى إن الخلل يكمن في فهمنا الخاطئ للدين، على أنه قواعد تنظّم علاقة الله بالمخلوقين. وذلك ما حاول رجال الدين تكريسه عبر العصور. لأنه منحهم سلطة الإشراف والتنظيم، وأكسبهم سمة الوجاهة والتعظيم.

تلك ليست غاية الدّين. إنما غايته الإنسان، أنا وأنت. والمخلوقات التي تشاركنا الحياة. والأرض ونباتها والسماء وأسرارها. والخالق هو المشرّع والرّقيب الأعلى. اعترافنا بألوهيته يقتضي تقديسه واحترام إرادته، فنضمن بذلك سعادتنا. وتسليمنا بربوبيته يقتضي حبّه وحبّ مخلوقاته، فنضمن بذلك بقاءنا.

حين تكون غاية الدين غيباً وسرّاً دفيناً، كما هو لدى أغلب المتديّنين، نحتاج إلى عارفين بالسرّ. لا يشترط فيهم العلم والحكمة، بل يكفيهم أن يكونوا “أصفياء الله وأحباءه”! وإذا ساد هؤلاء العارفون واغتنوا، فإرادة الله هي التي اقتضت تكريمهم. ولا اعتراض على إرادته، بل خضوع وتسليم وقبول بواقع حال.

العلم هنا لا يصبح فريضةً، بل ترفاً من غير ضرورة. والأدب لا يصبح زكاةً، بل بذخاً من غير حاجة. فيما يصبح التفقّه في الدين وسيلةً، للسيادة والوجاهة. أليس هذا ما يجري في بلدي وبعض بلاد المسلمين؟


اقرأ في هذا الصدد: حين يَرجع الحرامي من الحجّ *


بينما حين تكون غاية الدين هي الموجودات، تحتاج إلى مختصّ ينظّم تعاملك مع كلّ منها. تحتاح إلى فلاسفة وحكماء ومعلمين ومدراء، تحتاج شرطة ومحامين وقضاة ومزارعين، تحتاج مختصّين في الفيزياء والكيمياء والنبات والأحياء، وفي الجغرافيا والهندسة والرياضيات والبرمجة. وهؤلاء كلّهم يسحبون البساط من أولئك “الأصفياء”. فينفد مصدر رزقهم ويتبدّد منبع قوتهم.

أبحث عن المسيح الذي يهدم المعابد فوق رؤوس الكهنة في بلدي، ليصنع من أحجارها بيوتاً للمساكين، ويشيد من ذهبها طرقاتٍ ومزارع، ويعمر من كنوزها مدارس ومصانع. فلا أرى غير المأجورين. هذا ينعق لذاك المسؤول وأولئك ينعقون لغيره من المتنفّذين!

العوام مغلوبون بجهلهم، يبحثون عن الطعام في المزابل، ويأتون المزارات ورجال الدين بالفلوس. ورجال الدين يشطّون بغيّهم، ويفرضون على الناس مزيداً من الطقوس. وقادة الأحزاب ممن أبطنوا النفاق، رهنوا البلاد وأهلها للأغراب، وخربوها ونهبوا المليارات.

939j
حياةٌ مكرسة لمنفعة اناس تستحق العيش – ألبرت آينشتاين

الدّين أخلاقٌ قبل أن يكون قوانين وتشريعات. الدين إحسانٌ قبل أن يكون مناصب وامتيازات. أهل الله هم خدم عياله.
كذب الغنيّ إذا ادّعى الدّين وفي بلاده جيش من المساكين.
كذب الزعيم إذا ادّعى الدّين وفي بلاده جيش من العاطلين.
كذب الإنسان إذا ادّعى الدين، وحبّه للأخذ أكثر من حبّه لإعطاء المحتاجين.

حين جعلنا الدين لله، خسرنا بلادنا وخسرنا أنفسنا وخسرنا الله. الناس هم غاية الدين. تعرف مكانك من الله حين تخدمهم. تعرف مكانك من الجنة حين تحميهم. تعرف مكانك من الأئمة والرسل حين تفديهم وتعطيهم، وليس حين تسودهم!

لا أرى علاجاً مع الكهنة الحاليين غير هدم الهيكل فوق رؤوسهم. فأين المسيح؟


إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت، فشارة تشجيع إعجابٍ تكفي.

اقرأ أيضا: التجارة الخاسرة

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s