حديث السّباع

ما أصعب البقاء يا أماه. قال الشبل، وأضاف: مات أخوتي كلّهم صغاراً. ورزقني الله عمراً رأيت فيه صعوبة الحياة وشقاءها. تجهدين نفسكِ في السير والترقّب بحثاً عن طريدةٍ تسدّ جوعنا. وقد تمضي الليلتان والثلاث من غير أن يدخل جوفنا طعام. وقد تصيدين الفريسة، فيسرقها الضّباع أو النسور أو ينفرد بها الملك دوننا. وكلّما زاد جوعك، ضعُفت قدرتك على الصيد وصعُبت مهمّتك. كم أحسد الضباء والنعام وحمير الوحش، على سهولة حياتها ورغد عيشها، فالمرعى دونها صباح مساء.
حياة آكلات العشب ليست سهلةً. أجابت الأم، وأردفت: الضواري تُحدق بها من كلّ جانب، وفرص نجاة مواليدها ليست كبيرة. وحين تُجدِب الأرض صيفاً، تصبح مراعيها نادرةً وقد لا تجد ما يطفي الظمأ.
ورأيت فوق ذلك أهوالاً جساماً. قال الشبل مسترسلاً. يوم غافلك الفهد إلى مخبئنا فقتل اثنين من أولاد خالتي وأنتما في الصيد. ويوم هاجمتِ قطيعاً من الثيران وتسلّل خلفك أحد أخوتي، فبادره أحدهم بنطحةٍ قصمت ظهره. ويوم همّ الملك بي يريد قتلي، حين أذعنتِ إليه طلباً للحماية، فكاد يُجهز عليّ لولا جسارتك ومخاطرتك بحياتك كي تحميني من بطشه. وشهِدتُ غيرها من الأهوال التي جعلتني أتردد في الإقدام وأميل إلى التقاعس والانهزام.
أي بنيّ، لست مُضطرّاً إلى مواجهة ما لا تستطيع التغلّب عليه في هذه الحياة. أجابت الأم، واستدركت: لكن تأكّد أنّ كلّ مواجهةٍ تبقى مبرّرةً مادمت ترى أنك ستخرج منتصراً على خصمك أو ترجو الإفادة من تجربتك معه. غير أنّه يصبح مستحيلاً حين لا ترى فيه غير عقبةً كؤود.
لكنّي أماه لأعجبُ ممّن يصفونا ”ملوك البراري“! ما أرانا إلا أمّةً من الأمم، تصارع من أجل البقاء. قالها الشبل.
ما تفتأ تذكر المصاعب، إلى الحدّ الذي يستهلك طاقتك فتعجز عن الخروج من دوّامتها. قالت الأم تعلّم وليدها: ركّز انتباهك على الحلول بدل إضاعة الوقت في تعداد الصعاب وتهويلها. حين ترى حفرةً في طريقك، عليك أن تتحاشاها، فإن نظرت إليها طويلاً، قادتك إلى السقوط فيها. إن تهويل الصعاب هو ما يبديها لك شاقةً أو مستحيلة.
أي بُنيّ، ليست التحدّيات والآلام هي ألدّ أعدائك، بل أفكارك. إذ تنسجها مخيّلتك حتى تصبح عظيمة الثّقل. وحين تغيّر زاوية النظر إليها، تراها دروساً تأتيك في لَبوس تحدّيات. لأنك تنزع منها وطأتها عليك، وتفكّر بمنطق الحكمة لا بمنطق الهزيمة. فإن أنت أقبلت عليها ثم غلبتها، تحوّلت التحدّيات إلى مهارات.
أي بُنيّ، لا تجعل مشاكلك أكبر منك، ما دمتَ تملك الإرادة على قهرها وتحويلها إلى رصيد من الخبرات. قد تكون الحياة مدرسةً قاسية، لكنّ صفوفها تعلّمنا كيف ننمو، وتزوّدنا مخابرها بالحكمة والأناة، ونحصد من امتحاناتها البأس وحبّ الحياة. كلّما أقبلت على تحدٍّ، تعرّفت من خلاله على قدراتٍ كامنةٍ لديك. تساعدك على تخطي تحدٍّ أكبر منه، فلا تتقاعس عن مواجهةٍ، فتخسر فرصةً التعلّم منها.
هنا مرّ قطيع من الثيران، وميّز الشبل الثور الذي قتل أخاه وسْطهم. سأل أمه وهي تترصد جاثيةً لئلا يرونها: هل أسوقه إليك من غير أن تجهدي نفسك في تتبّعه وملاحقته؟ سألته: وكيف ذلك؟ أجاب: أستطيع تغيير مكاني من غير أن يراني قطيعهم لأنّي صغير الحجم. فإذا استدرت حولهم إلى الناحية القصوى، أقبلت عليه مهاجماً، فإن استصغر الثيران شأني وهاجموني، كشفوا ظهورههم لكِ، فتلحقين بهم وتثبين على غريمنا. وإن هم فرّوا من بين يديّ، ركضوا إليك وهم لا يرونك، فتعاجلينه. قالت: ولدي، تلك مجازفةٌ كبيرة. وأكره أن أخسرك كما خسرت أخاك. فأجاب:
أماه، ليس الموت أشدّ ما أخشاه. بل أن أعتاد العيش على هامش الحياة.

2 Comments اضافة لك

  1. joud كتب:

    أحببت اسلوبك القصصي كثييييييييييررررااا ،، 🙂

    إعجاب

    1. aqbas كتب:

      شكرا لتشجيعك ابنتي آمل أن يكون أدائي دائما عند حسن ظنك

      إعجاب

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s