بلسميات – ٢

أقلّب النظر في حافظة جوّالي أبحث عن صوره وأفلامه، وهي أغلى عندي من الجوال نفسه. أحاول التقرب إليه من خلال تسجيلاته بعدما تعذّر عليّ الدنو منه طول هذه الفترة. أبحث فيها عمّا يوصلني إلى قلب هذا المخلوق الذي هو أشبه الناس بي شكلاً وأقربهم لقلبي، بعد أن حالت المسافات بيننا.

أفكر ملياً وأنا في طريقي إليه: ترى كيف سيستقبلني بلسم حين أحتضنه بعد طوال الغياب؟ أببعض الودّ الذي كان يلقاني به حين يراني عبر الشاشة أم ببعض العتاب؟

هل يدرك أنّي والده؟ أم مجرد زائرٍ دخيل يحاول أن يفرض عليه وجوده؟ هل يحسب أني أقرب الناس إليه بعد أمّه؟ أو مجرد مغنواتي وحكواتي، جاء ليسرقه من أحضان جدته وخالاته اللاتي كن يعتنين به حينما تتركه أمه عندهن؟

ترى كيف سيرى اللوازم والملابس والألعاب التي ملأتْ حقيبةً كبيرةً بأكملها؟ ربما هي بالنسبة له مجرّد رشاوي أو وسائل رخيصة أحاول الاحتيال بها على قلبه. فهو لا تعنيه الأشياء بقدر ما يتوق إلى قلبٍ صدوقٍ يحتضن أصعب أوقاته تماماً كما يتلقّى أحلاها. هو لا تعنيه الأغاني والمجاملات بقدر ما يعنيه أن يجد قربه من يحتمل عنه معه بعض آلامه أو يواسيه حين يحتاج العناق.

سارت الأمور في البداية على ما يرام. استقبلني في المطار بحفاوة وترحيب ولعبنا قليلا إلى أن تركته لأرتاح من أعباء رحلة طويلة ما ذقت خلالها دقيقة نوم. وما هي إلا ساعةٍ حتى جاء دوري لأجلس معه حين وجب على أمه الذهاب لعملها. ومن وقتها بدأت الأمور تتغير، وبدأت أقرأ في عينيه عتباً شديدا.

بدأت تسائلني عيناه السؤال تلو السؤال: أين كنت حين عندما أحتجت إلى من يقوم بتنظيفي وأمي بعيدةً عني؟ أين كنت حينما احتجت إلى من يرضعني ويسقيني؟ أين كنت حين أرهقت والدتي وهي تحاول بفارغ الصبر أن تنويمي؟ أين كنت حينما احتارت أمّي بي أين تتركني؟ أو هل تترك العمل، حين توالت أعذار خالاتي؟ أين كنت حينما عانيت من الآلام المبرحة لِـ إبر اللقاح؟ أين كنت حينما أصبت بالحمّى فسهرت أمي معي تعالجني إلى الصباح؟ أين كنت وأنا أعاني من بزوغ الأسنان في اللثة فناديتك حتى علا الصياح؟

دعني أصارحك والدي: أنت أبٌ سيّءٌ لا تستحقّني. عُد من حيث أتيت فمشاعرك ليست تغنيني وأحمالك ليست تعنيني. أنا روحٌ لا استراحةً تنأى طويلاً عنها فلا تأتيها إلا حين يناسبك الحال أو يأتي أوانها. أنا كيانٌ ولست دميةً تهجرها حين تنشغل فتتوقع أن ترتمي بحضنك حيت تأتيها. أنا حلمٌ صار حقيقة لا خيال راود مخيّلتك ساعةً فأعرضت عنه حتى كدت تنساه.

بم أجبه؟ ماذا سأقول؟ ومن أين أبدأ؟ فالشرح يطول.

نظرت إليه بتمعن وفي رأسي تتصارع أحاديث كثيرة لا أستطيع البوح بها، تريد أن تخرج علّه يفهم ظروفي وما آل إليه حالي. فأشاح بوجهه عني، وكأنه لا يريد أن يكلّمني ولا يهتمّ بأعذاري.

ثمّ التفت إليّ بعد هنيهة وبدأ يهدل وميّزت في هديله لحناً يقول:

كن لي صديقاً تلقاني محبّاً. كن لي معيناً تراني سنداً. كن لي جليساً تجدني أنيساً. كن لي والداً أكن لك ولداً.

اكتب تعليقاً أو ردّاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s