الدِفء المفقود

يعتريني أسىً كلّما رأيت شيخاً يجلس وحيداً في سوقٍ يراقب الناس، أو امرأةً مسنّة تمشي بصعوبة في شارعٍ هادئ، تنظر في وجوه المشاة، ولا تنتظر أحداً. تبحث عن ألفة تفتقدها أو أنيس يحاورها. وبينما تلفتنا مشاهد هؤلاء، نذهل عن صورٍ أكثر منها، لمن هم أصغر سناً، يحاربون جاهدين للانفكاك من الوحدة القاتلة التي وقعوا فريسةً…

أين المسيح؟

أحترم الدعاة والمصلحين. لكن أن يجلس أحدهم وسْط حشد من المتدينين، في أكثر البلدان تديّناً وأبعدها شططاً في الوقت ذاته، ليحدثهم عن شعائر الله، فذلك تزلّف ونفاق. الأحرى به أن يدعوهم إلى الإستقامة أو العدل أو الإحسان أو الأخلاق أو النزاهة أو جبر الخواطر، لا أن يدعوهم إلى مزيدٍ شعائرٍ نشأوا عليها أصلاً، فلم تمنعهم…

الحبّ الأعمى

 تتبلور مشاعر الانتماء الديني للناس في سن مبكرة جداً، ثم يتبلور بعده انتماؤهم العرقي والإقليمي ومن ثم ينبع موقفهم السياسي تبعاً لكلّ ذلك. غالباَ ما تكون العاطفة مصدر هذه المشاعر وليس العقل. نُقبل على هذه الانتماءات ونؤمن بها كحقيقةٍ لا مفرّ منها. نحبّها كما نحبّ أمهاتنا وآباءنا. تعرّفت على رجلٍ يحمل الدكتوراه في الهندسة من…

ما أضيق العيش لولا فسحة “العمل”

جُبلنا نحن البشر على حسن الظن في كلّ ما هو آت. حين يعِدك أحدهم بهديّة، يذهب خيالك بعيداً في ترقّبها. وحين تشتري آلةّ، تتوقع منها أن تعطيك أكثر مما دفعته فيها. وحين تتعرّف على أحدهم، تبحث عمّا يزيدك منه قربا. ويسري ذلك أيضاً على توقّع استقبال غدٍ أفضل. من منّا لا يُحسن الظن في غده؟…

من اغتصب القدس؟

ليس ترامب من باع القدس، كلّ ما فعله الرّجل أنه أقرّ وضعاً قائماً. إلا أنّ الإدارات الأميركية المتعاقبة، أوقفت التنفيذ لأنها مؤسسات تولي القانون الدولي عنايةً كبيرة، ولو عاكس الأمر هواها ووافق هوى بني يعرب. ولم تغتصب إسرائيل القدس، فلقد بيعت لها بثمنٍ بخسٍ منذ عهد بعيد. فلقد باع القدس أولاً من أكّدوا أن “لا…

طرائف ملوك الطوائف

إلقاء اللوم على الآخرين ثقافة متأصلة الجذور لدينا. تبدأ من الأب إذ يلقي اللوم على الأم في تدنّي مستوى أبنائه. ومن الأم إذ تلقي اللوم على المعلم في تدنّي تعليم أبنائها. ومن المعلّم حين يلقي اللوم على التلميذ وأهله. اعتدت النظر إلى أمثال هؤلاء على أنهم أطفال. أرأيت صنيع الطفل حين تحاسبه أمه؟ وعلى صعيد…

التربية: بين الخطأ والخطيئة

اتصلوا بالشيخ طالبين منه مباركة العرس الفاخر، وإلقاء عظةٍ في هذه المناسبة التي دعوا لأجلها سكان الحيّ بأكمله، وأنفقوا عليها الآلاف المؤلفة بهرجةً وغرورا. وما هي إلا أسابيع حتى اتصلوا به مرةً أخرى، لكن من أجل أن يشهد طلاق المتزوّجين عن بعضهما. والسبب؟  نفقات العرس! طقوس العادات والدين لا يقتصر مثل ذلك على البيئات المرفّهة….

حين يَرجع الحرامي من الحجّ *

حدّثنا عيسى بن هشام فقال: لاحقه تأنيب الضمير بما أخذت يداه، لا يدري يقيناً: أمِن حلالٍ ناله أم مِن حرام؟ فرأى نفسه محرماً في المنام، حاجّاً طائفاً حول بيت الله الحرام. لعلّ الله يمحو بها ذنوبه، ويفيض عليه من كرمه وجوده، ما يغطي به على ملياراتٍ عديدة، وفرصٍ للاقتناص وعقاراتٍ جديدة. فجاءه الفرج في دعوةٍ…

هذا هو ديني

حين يسألني أحدهم عن اسمي فأجيبه، يسارع لإطلاق الأحكام والتنبؤ بأصلي وهويتي. فإن كان عربياً، يفترض أني مسيحيّ أو أمازيغي أو كرديّ المولد. وإن كان كندياً، يفترض أني تركيّ أو هندي أو إفريقيّ الأصل. ويتحوّل سياق كلامه ليعكس سلسلة الافتراضات التي بناها عني. عن براءة، من باب توثيق العلاقة. أو عن غير براءة، من باب…

بين الجهاد والاجتهاد

قد يصبح الجدل المحتدم عن التمثال الذي يتصدر بلدية فيلادلفيا، لفرانك ريزو المتهم بالعنصرية، بداية تدحرج كرة الثلج لمحاسبة الزعماء السياسيين في الولايات المتحدة، وفي مقدّمتهم المؤسّسون الذين لا يزالون مُحاطين بهالةٍ من القداسة إلى اليوم. فقد عبّر ترامب عن ذلك في تغريدته: “من الآتي؟ واشنطن؟ جيفرسون؟” في إشارةٍ إلى رئيسي الولايات المتحدة الأول والثالث…

ما أبخل القلب البشري

مع أنني أفضّل طلوع الدرج إلى منزلي في الدور التاسع، ولا أستخدم المصعد إلا للضرورة، فقد صادفت تلك السيدة مع كلبها مراتٍ كثيرة. لفت انتباهي تجاهلها للناس من حولها، مؤثرةً كلبها المحمول على صدرها. تمسح على ظهره وتحنو عليه تارةً، وتهمس بأذنه وتقبّله في وجهه تارةً أخرى، تماماً كما لو كان وليدها. تُرى، مالذي يجعل…

نقد الخطاب الديني

نقد الخطاب الديني موضوع طويلٌ وشائك، ومن الصعب الإحاطة به بمقالة تكتب على عجالة. غير أنها محاولة خجولة مني لتلمس مواضع الخلل التي تسببت وتتسبب يومياً في تدمير بلدانٍ كاملة وحصد أرواح المئات. والنقاط التي أوردها هنا، لديّ من الأمثلة التي تدعمها ما يصعب حصره لكثرتها. ومن الأيات الكريمة التي تنقضها وتبرهن على أنها عكس…